استمر معدل التضخم السنوى فى تسجيل تباطؤ ملحوظ خلال شهر مايو الماضى، رغم ارتفاع المعدل الشهرى خلال الفترة نفسها، فى ظل حالة من التباين فى وتيرة حركة الأسعار مع استمرار تأثير عوامل متعددة على سلوك الأسعار داخل السوق، سواء المرتبطة بتكاليف الإنتاج أو تحركات أسعار السلع الأساسية عالميًا.
قال الدكتور على الإدريسى، الخبير الاقتصادى، إن تراجع المعدل السنوى إلى ١٣٪ فى مايو ٢٠٢٦ مقارنة بـ١٣.٤٪ فى أبريل ٢٠٢٥ يعكس تحسنًا فى مستويات الأسعار، وتباطؤًا فى وتيرة التضخم.
وأشار «الإدريسى» إلى أن معدل التضخم الشهرى ارتفع بنسبة ١.٤٪ خلال شهر مايو، وسجل بعض المجموعات السلعية ارتفاعات ملحوظة، وفى المقابل تراجعت أسعار سلع أخرى مثل الدواجن والبيض وبعض أصناف الخضروات، ما أسهم فى الحد من تسارع التضخم بشكل عام رغم استمرار الضغوط السعرية فى قطاعات أخرى.
وتطرق إلى تأثير التحول من نظام الدعم العينى إلى النقدى، موضحًا أن هذه العملية قد تكون لها انعكاسات مباشرة على معدلات التضخم؛ إذ ستصبح لدى المواطنين سيولة نقدية أكبر، ما قد يرفع الطلب على السلع الأساسية، وأشار إلى أن هذا التحول قد يثير مخاوف مزدوجة تتعلق بارتفاع التضخم من جهة، واحتمال حدوث ممارسات احتكارية فى السوق من جهة أخرى، ما قد ينعكس بشكل واضح على القوة الشرائية للمواطن واستفادته من منظومة الدعم.
ودعا إلى ضرورة استحداث مؤشر مستقل لقياس أسعار السلع التموينية التى تستهدفها الحكومة، مثل الزيت والسكر والأرز، حيث يجرى فصل هذا المؤشر عن سلة السلع والخدمات العامة، بما يسمح بتقييم أكثر دقة لمستوى الأسعار الفعلية للغذاء الأساسى، وتحديد حجم الدعم المطلوب، بما يتناسب مع الواقع الفعلى للأسعار.
وذكر أن مؤشر التضخم الحالى يعتمد على سلة واسعة تضم نحو ١٠٠٠ سلعة وخدمة، ما يجعل الصورة العامة غير كافية لقياس وضع السلع الغذائية الأساسية بشكل دقيق، مؤكدًا أن وجود مؤشر منفصل للتضخم التموينى سيعزز من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات دعم أكثر دقة وفاعلية.
وشدد على أهمية تعزيز الرقابة على الأسواق بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، للحد من أى ممارسات احتكارية أو استغلالية قد تؤثر على استقرار الأسعار، لافتًا إلى أن ضبط السوق يمثل عنصرًا أساسيًا فى حماية القوة الشرائية للمواطنين، وتحقيق توازن فعلى فى منظومة الأسعار.
من جهتها، أكدت الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية، أن حزم الحماية الاجتماعية التى أطلقتها الدولة خلال الفترة الماضية أسهمت فى تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا، وذلك من خلال زيادة الأجور والمعاشات وتوسيع برامج الدعم النقدى، وقد ساعدت هذه الإجراءات فى الحد من تأثير الارتفاعات السعرية والحفاظ على مستوى معيشى مقبول للعديد من الأسر.
وقالت «الملاح» إنه رغم استمرار بعض الضغوط الناتجة عن المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، فإن التدخلات الحكومية المتتالية أسهمت فى تعزيز شبكة الأمان الاجتماعى وتقليل الآثار السلبية للتضخم على محدودى الدخل والفئات الأولى بالرعاية.
وحول الخطوات الهيكلية المطلوبة لزيادة الإنتاج المحلى وضبط الأسواق لضمان استقرار طويل الأجل، أوضحت أن تحقيق الاستقرار الاقتصادى على المدى الطويل يتطلب استمرار العمل على زيادة الإنتاج المحلى وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطنى، من خلال دعم القطاعين الصناعى والزراعى، وتشجيع الاستثمار، وتوطين الصناعات المختلفة بما يقلل الاعتماد على الواردات.
وأشارت إلى أن تطوير سلاسل الإمداد والتخزين، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وضمان توافر السلع الأساسية بأسعار مناسبة، كلها عوامل تسهم فى تحقيق التوازن بين العرض والطلب والحد من الضغوط التضخمية.
وشددت على أن الدولة تستمر فى تنفيذ عدد من المبادرات والمشروعات القومية الهادفة إلى دعم الإنتاج وزيادة فرص العمل وتحسين بيئة الاستثمار، بما يعزز من قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات وتحقيق نمو أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.
ونوّهت «الملاح» بأن برامج الحماية الاجتماعية تعتبر أداة مهمة لحماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار وتخفيف الأعباء المعيشية عنها، خاصة فى فترات التحديات الاقتصادية، إلا أن هذه البرامج تكمل السياسات الاقتصادية ولا تغنى عنها، إذ إن تحقيق استقرار مستدام فى مستويات الأسعار وتحسين القوة الشرائية للمواطنين يرتبط بزيادة الإنتاج المحلى، وتعزيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، ورفع معدلات النمو الاقتصادى.
وتابعت: «الحماية الاجتماعية تمثل شبكة أمان ضرورية لدعم المواطنين، بينما يظل التوسع فى الإنتاج وتحفيز النشاط الاقتصادى المسار الأساسى لتحقيق تحسن طويل الأجل فى مستوى المعيشة».
وعن إمكانية تحقيق التوازن بين حماية المواطنين من آثار التضخم والحفاظ على استدامة المالية العامة للدولة، قالت: «يتحقق التوازن من خلال توجيه برامج الحماية الاجتماعية إلى الفئات الأكثر احتياجًا، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بأعلى كفاءة ممكنة، مع الاستمرار فى تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية التى تستهدف زيادة الإنتاج وفرص العمل، كما أن التوسع فى المشروعات الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الصادرات، يسهم فى توفير موارد إضافية للاقتصاد، ما يساعد الدولة فى الاستمرار فى تقديم الدعم والخدمات دون تحميل الموازنة العامة أعباء غير مستدامة».
واعتبرت أن تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتطوير قواعد بيانات المستفيدين من الدعم، وتعزيز الرقابة على الأسواق تعد من الأدوات المهمة لضمان تحقيق الحماية الاجتماعية المطلوبة، مع الحفاظ على الاستقرارين المالى والاقتصادى للدولة على المدى الطويل.
بدوره، رأى الدكتور محمد محمود عبدالرحيم، الخبير الاقتصادى، أن التراجع الملحوظ الذى سجلته معدلات التضخم السنوية مؤخرًا مؤشر إيجابى يعكس نجاح الإجراءات الهيكلية الأخيرة، إلا أنه لا يعنى الخروج تمامًا من دائرة الخطر فى ظل ما يعرف بـ«التضخم المستورد»؛ إذ تشتبك الضغوط المحلية مع أعنف موجة من الاضطرابات الجيوسياسية العالمية.
وقال «عبدالرحيم» إن حالة الارتباك وعدم الاستقرار التى تضرب منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا عدم انتظام حركة الملاحة البحرية واستمرار غلق الممرات الحيوية كمضيق هرمز، فرضت ضغوطًا تصاعدية هائلة على مؤشرات التضخم عالميًا وفى مصر، نظرًا لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين الملاحى.
وأضاف أن هذه الصدمات الخارجية تترجم فى صورة ارتفاع فى أسعار الطاقة العالمية، والواقع الاقتصادى يفرض قاعدة ثابتة فى أى مكان بالعالم، وأن أى قفزة فى أسعار الطاقة العالمية يجرى تمريرها فى النهاية إلى المستهلك النهائى أو المواطن.
كما شدد على ضرورة التحكم فى التضخم بشكل مستدام، من خلال الانتقال إلى العوامل الاستراتيجية الأخرى، وعلى رأسها ملفا الصناعة والتصدير، حيث إن وصول الصادرات المصرية إلى مستويات تتراوح بين ٤٠ و٥٠ مليار دولار خطوة ممتازة، لكننا بحاجة إلى تعميق التصنيع المحلى لتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة التى تنقل إلينا التضخم العالمى.















0 تعليق