لم تقتصر آثار الحرب الأوكرانية الروسية، على البشر والمدن، ولا أسعار المحروقات والسلع وسلاسل الإمدادت وغيرها مما يترتب من آثار الحروب، بل امتد أيضا للطبيعة، في تطور لافت ومذهل، كشفه الباحث التونسي، ياسين الخضراوي، في تصريحات خاصة لـ “الدستور”.
ألياف الطائرات المسيرة تتحول إلى مواد بناء لأعشاش الطيور
واستهل “الخضراوي” حديثه للدستور، مشيرا إلى تسلل آثار الحرب الأوكرانية الروسية إلى البيئة المحيطة بطرق لافتة، لتقدم للعلماء أدلة جديدة على قدرة الكائنات الحية على التكيف مع متغيرات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، ومن بين هذه الشواهد اللافتة، جاءت واقعة العثور على عش طائر منسوج جزئيا من ألياف بصرية تعود إلى طائرات مسيرة عسكرية.
وأوضح “الخضراوي”: "في الثاني من شهر يونيو 2025، عثر الجندي والمهندس الأوكراني يوري كوخان، أثناء مهمة قرب مدينة توريتسك في شرق أوكرانيا، على عش طائر سقط من إحدى الأشجار نتيجة الانفجارات التي تشهدها المنطقة.
وقد لفت انتباهه وجود خيوط رفيعة غير مألوفة منسوجة داخل العش، ليتبين لاحقا أنها ألياف بصرية تعود إلى طائرات مسيرة عسكرية.

التكنولوجيا العسكرية تفرض واقعًا بيئيًا جديدًا
وتابع “الخضراوي”: التقط كوخان صورة للعش ونشرها عبر قنوات عسكرية أوكرانية، لتنتشر لاحقا بين علماء الطيور والباحثين البيئيين بوصفها أول حالة موثقة على نطاق واسع لاستخدام مخلفات الطائرات المسيرة الليفية في بناء أعشاش الطيور، ويأتي هذا الاكتشاف في سياق الانتشار الكثيف للطائرات المسيرة المرتبطة بكابلات ألياف بصرية، والتي تترك خلفها كيلومترات من الخيوط الدقيقة فوق الغابات والحقول وخطوط القتال.
الطبيعة تستجيب لتغيرات لم يعرفها تاريخها التطوري من قبل
ويتابع “الخضراوي”: من منظور علم الأحياء التطوري، تكمن أهمية هذا الاكتشاف في السلوك الذي كشف عنه. فالطيور لا تميز بين طبيعي واصطناعي، وإنما تستجيب للخصائص الفيزيائية للمواد المتاحة في بيئتها ويُعد هذا مثالا على ما يسميه العلماء المرونة السلوكية Behavioral Plasticity، وهي قدرة الكائن الحي على تعديل سلوكه استجابة للظروف الجديدة دون انتظار حدوث تغيرات وراثية عبر أجيال عديدة وتُعتبر هذه المرونة إحدى الركائز الأساسية للتكيف، وهي الآلية التي تسبق غالبا عمليات التطور طويلة الأمد.
فكما تكيفت بعض الطيور سابقا مع المدن والضوضاء والمباني والمواد البلاستيكية، فإن ظهور أعشاش تحتوي على ألياف بصرية يشير إلى أن الكائنات الحية بدأت بالفعل بالتفاعل مع بيئة جديدة فرضتها التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
ورغم أن العلماء لا يزالون يدرسون الآثار البيئية لهذه المواد، فإن هذه الحادثة تقدم مثالا نادرا حقيقة على مشاهدة التكيف البيولوجي وهو يحدث في الزمن الحقيقي، حيث تستجيب الحياة مباشرة لتغير مفاجئ في البيئة وتدمج عناصر لم تكن موجودة في تاريخها التطوري إلا منذ سنوات قليلة فقط.















0 تعليق