قال أمير اليمانى، مخرج مسرحية «متولى وشفيقة»، من إنتاج مسرح الطليعة، إن خلافًا بين زميلين له فى فترة التجنيد كان السبب فى ولادة هذه الفكرة، وهى محاكمة متولى بعد قتل شفيقة. وأضاف «اليمانى»، فى حواره مع «الدستور»، أن إعادة تقديم التراث بشكل مغاير ليس أمرًا سهلًا، «لكنه تشبع برؤيته الجديدة ونسى تمامًا الفيلم والقصة الأصلية، وكان المحرك الأساسى له هو إيمانه بأن القتل ليس سببًا للفخر، ورغم أن شفيقة أخطأت لكنها لا تستحق الموت». وأشاد بالكاتب محمد على إبراهيم، مؤلف المسرحية، الذى يتعاون معه منذ ١٥ عامًا، وكتب معظم مسرحياته. تخرج أمير اليمانى فى كلية الآداب جامعة عين شمس، وبدأ مسيرته فى مسرح الجامعة، حيث قدّم عددًا من العروض التى كشفت عن وعى مبكر ورؤية إخراجية واضحة، وحين التقى الفنان والمخرج هشام عطوة منحه فرصة الانتقال إلى مسرح السلام، ليقدم أولى تجاربه الاحترافية ويثبت حضوره على الساحة.
■ كيف ولدت فكرة العرض فى مخيلتك؟
- بدأت الفكرة خلال تجربة حية وعابرة فى آن واحد، تركت فى وجدانى أثرًا لا يُمحى؛ فخلال فترة خدمتى العسكرية، وفى إحدى الليالى، نشب شجار حاد بين جنديين، أحدهما من المنيا والآخر من جرجا، فقال أحدهما للآخر متهكمًا: «يا ابن بلد زينب»، فرد عليه الآخر: «يا ابن بلد شفيقة»، ليعود الأول بجملة استوقفتنى وهزتنى من الداخل، حين قال: «كل بلد فيها شفيقة.. بس مش كل بلد فيها متولى».
هذه الجملة تحديدًا ظلت تطاردنى، وبعد انتهاء خدمتى العسكرية، عدت للاستماع إلى موال الريس حفنى الشهير عن شفيقة ومتولى، وبدأت أتأمل الأبعاد الإنسانية والنفسية الغائبة.
فى المأثور الشعبى والتراثى، حصل متولى على حكم بالسجن لستة أشهر مع إيقاف التنفيذ، أمضاها فى الجيش، وعندما خرج استقبله أهل بلدته بالطبول والمزامير كبطل، بل إنه فى الموال نفسه طلب الخروج من البيت المشبوه الذى نفذ فيه جريمته بالزفة والمزمار، باعتبار الأمر فخرًا.
لم يتقبل عقلى أو وجدانى فكرة أن يكون القتل فخرًا، ولم أقنع أبدًا بأن هذا الإنسان يمكنه أن يكمل حياته بشكل طبيعى ودون تمزق داخلى.. من هنا ولدت فكرة محاكمة متولى.
■ كم استغرق تحويل الفكرة لعرض مسرحى؟
- استغرق الأمر قرابة عشر سنوات، وكانت الأزمة الكبرى تكمن فى العثور على الممثل المناسب لتجسيد شخصية متولى، فالدور شديد التعقيد، ويتطلب مهارة فائقة للانتقال بين الماضى والحاضر فى جزء من الثانية، نظرًا لاعتمادى على إذابة الأزمنة وتداخلها بلا فواصل.
ولم يخرج هذا العمل للنور إلا بعد مخاضٍ كتابى عسير، إذ أعدنا صياغة النص وتطويره وصولًا إلى المسودة الستين.. هذه النسخة الأخيرة التى تُعرض الآن على خشبة المسرح.
■ هل إعادة تقديم عمل تراثى شهير مثل «شفيقة ومتولى» يحمل نوعًا من المخاطرة؟
- عندما شرعنا فى كتابة هذه المسرحية، نسيت فيلم «شفيقة ومتولى» تمامًا، ولم يسبق لى أن شاهدت أى عرض مسرحى تناول هذه القصة.
كنت مشبعًا لأقصى درجة برؤيتى الجديدة التى سأقدمها، حتى سقطت أحداث الفيلم من مخيلتى، ولم أعد أتذكر منه سوى أغنية «بانو بانو» للفنانة سعاد حسنى، فقد كنت ممتلئًا تمامًا بالقصة الجديدة التى أطرحها.
■ ما الرؤية الفنية المغايرة التى طرحها عرض «متولى وشفيقة»؟
- إن الخطأ لا يعالج بجرم، فقد أخطأت شفيقة وقد أوضحت ذلك فى العرض، ولكن العلاج لا يكون بارتكاب جريمة، فليس لأى شخص على وجه الأرض الحق فى أن يمنح نفسه تصريحًا بالقتل.
أقمت محاكمة لـ«متولى» من خلال ضميره الذى تجسده جدران المنزل، إذ يتجسد ضميره ويخرج أشخاصًا من داخله، تُلقى اللوم عليه طوال العرض، وهناك سجال مستمر بينه وبين الجدران، والمشاهد التى تتشكل هنا ليست «فلاش باك»، بل هى مشاهد تجسد وجهة نظر متولى ليدافع بها عن نفسه، بينما تجسد الجدران مشاهد أخرى من وجهة نظر شفيقة التى لم نرَها.
على سبيل المثال: المشهد الذى دار بينها وبين دياب من الصعب الذهاب إليه كـ«فلاش باك»؛ لأن متولى أو الأب أو أى شخص آخر لم يشاهده، ولكن جدران البيت هى التى تطلعه على هذا المشهد.
■ ما سبب تعاونك الدائم مع الكاتب محمد على إبراهيم؟
- تجمعنى بالكاتب المسرحى محمد على إبراهيم زمالة وصداقة تمتد منذ ما يقرب من ١٥ عامًا، حتى إن معظم مسرحياتى من تأليفه، وتعود بداية معرفتى به إلى فترة عملى فى شركة «فنون مصر»، حيث كنت أتولى لجنة القراءة فى الشركة، ومنذ ذلك الحين أصبح يكتب أى مسرحية أقدمها، وهناك تناغم كبير بيننا.
وكذلك الأمر بالنسبة للفنان «مانو» فى مجال الدراما الحركية، فجميع عروضى المسرحية يقدم بها الدراما الحركية، ويعود ذلك إلى أننا دائمًا نفهم بعضنا البعض، ونتلاقى فكريًا وفنيًا.
■ ما أبرز الصعوبات التى واجهتها فى مسرحة السير والروايات الشعبية؟
- من الصعب تغيير أحداث التراث، وعندما قدمت عرض «متولى وشفيقة»، لم يكن لدىّ حدث أو زمان أو مكان محدد، ما جعلنى أخرج من فكرة الحكى. والدليل على ذلك أننى بدأت قصة العرض بعد انتهاء الحدث بالفعل، وهو قتل متولى لشفيقة، وبدأت به العرض أيضًا.
فى «الأوفرتير» كانت هناك هلاوس داخل عقله ومقتطفات غير مرتبة، وسنجد فى العرض أن المشاهد ليست متسلسلة دراميًا.
على سبيل المثال: مشهد الجيش يأتى قبله مشهد الخيانة، لأن جميعها «فلاش باك» من عقل متولى. فلا يوجد لدىّ زمن أو حدث، ولا أستطيع تغيير أحداث القصة، إذ إن تغييرها يجعلها بعيدة عن التراث.
■ لماذا استخدمت الكورس؟
- فى هذا العمل الكورس هو البطل المحرك الأساسى للأحداث، ومن دونه لا وجود للعرض، فهم الفكرة والعمود الفقرى للمشروع.
الصعوبة البالغة تمثلت فى أننى لا أتعامل مع فرقة رقص محترفة، بل مع ممثلين موهوبين من معاهد وجامعات مختلفة، حصد بعضهم جوائز أفضل ممثل وممثلة. لذا، كان التحدى هو كيفية إقناع هذه المواهب الشابة بتقديم أداء جماعى متجانس يخدم روح الكورس.
■ كيف اخترت هذه المجموعة المتجانسة من الممثلين؟
- شاهدت الفنان الشاب محمد فريد فى مهرجان نقابة المهن التمثيلية، ووجدت فيه بطل العرض متولى، فأرسلت إليه النص فى السادسة صباحًا، فجاءت موافقته السريعة فى السابعة صباحًا من اليوم نفسه.
أما شخصية «دياب»، فقد رشّح لى الفنان سامح بسيونى، مدير المسرح، الفنان أحمد عودة، وتقابلنا بعدها، وتكرر الأمر مع يسرا المنسى التى رشحها لى أيضًا، وشاهدتها فى مهرجان النقابة.
■ كان الديكور والإضاءة شريكين فى الأحداث.. كيف فعلت ذلك؟
- النسخة المكتوبة للعرض كُتبت بالديكور والإضاءة وحركة الممثلين، وسُجلت كحقوق ملكية فكرية؛ فهى ليست نسخة درامية فقط، ولكنها نسخة درامية إخراجية أُخرجت على الورق وجرى تضمينها للنص، لتشاهد كل مشهد على الورق قبل بدء البروفات، فالنسخة مكتوب بها كيف سيخرج العرض، وهى ميزة خاصة فى الكاتب محمد على إبراهيم.















0 تعليق