صبرًا أسرة عبدالرحمن.. فإنكم تستحقون الفرحة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأقدار كثيرًا ما تُغير مسارنا من دون أن نفهم حكمتها فى لحظتها، فنرى بعض الأحداث وكأنها نهاية  مفجعة، بينما تُخفى فى جنباتها معنى آخر نستوعبه لاحقًا.
كم من أخبار بدت لنا قاسية، ثم اكتشفنا مع الوقت أنها كانت تحمل فى داخلها لطفًا خفيًا لم نكن ندركه حينها، وكثيرًا ما أفجعتنا وآلمتنا حوادث، أيقنا بعدها أنها كانت الصواب والاختيار المناسب حينها.
فى شرق الدلتا، وتحديدًا بقرية «العدوة» التابعة لمركز ههيا بمحافظة الشرقية، خيم الحزن على الأهالى بعد وفاة عبدالرحمن فوزى محمد، الطالب بالشهادة الإعدادية الأزهرية، وذلك قبل إعلان النتيجة الرسمية بـ48 ساعة، ما زاد من مشاعر الألم داخل أسرته وأهل قريته.
هذا البيت السعيد، الذى ربى طفلًا حتى بلغ أشده، كان ينتظر أن يعرف نتيجة الشهادة الإعدادية، لتبدأ ترتيبات الثانوية، ثم الاستعداد للجامعة، آمال وأحلام كبرت بين جدران هذا البيت، وسط دفء الأسرة والعائلة، ومشاعر النجاح والفخر، التى تبدلت بعد نبأ الوفاة. 
الموت حق على الجميع، لكنه يظل صدمة موجعة لا يخففها سوى الرضا بقضاء الله، إلا أن الملفت للنظر فى قصة اليوم ليس الرحيل وحده، بل ما تلاه وما نتج عنه من موقف إنسانى مؤثر من الأزهر الشريف تجاه أسرة الطالب.
رئيس المنطقة الأزهرية بالشرقية، طرق الباب المغلق من الحزن، وفتح نوافذه، ليتبدل الحال من الصراخ والبكاء والعويل، إلى فرح وأصوات علتها الزغاريد ابتهاجًا بنجاح الطالب الراحل، هذا الأمر حول المشاعر الجامدة الساخطة، إلى فخر وسعادة، وشعور بالتكافل والتكامل.
مهاتفة الأزهر الشريف، لأسرة الطالب الراحل، قدم لهم العزاء وزف فى الوقت نفسه خبر نجاح نجلهم الراحل وتفوقه فى امتحانات النقل، كأننا فى مشهد حقيقى صنعه القدر، ويكتبه البشر، إلا أنه يكتب من داعى الفخر والفرح والود، والعرفان.
تحولت مشاعر الحزن داخل البيت إلى مزيج من الدموع والفخر، وكأن الألم نفسه انقلب إلى شهادة تقدير، ليتحول الفقد إلى رحمة، ويجتمع العزاء مع النجاح فى خبر واحد.
عبدالرحمن طالب، أزهرى، كغيره من الكثيرين من أبناء جيله، كان يحلم بمستقبل باهر، وكانت لديه آمال وأحلام، بدلها القدر، إلا أننا واثقون أن القدر دائمًا يحمل الخير، هكذا علمتنا الأديان السماوية، أن الخير دائمًا تحمله الأقدار، وليس لنا سوى الانسياق والانصياع خلفها، هكذا تربينا وبهذا تعلمنا، واليوم ندرك أن عبدالرحمن، هو رسالة ساقها القدر، لندرك أن المحبة والود، والتكافل نستطيع أن نمارسها ونمثلها ونحققها من رحم الأزمات.
الريف الهادئ الذى خرج منه عبدالرحمن، والذى شكل وجدانه، أسهم بدوره فى القدر، فهو من رسم شخصيته وشكل بنيانه، وتحكم فى لهجته القروية البسيطة الهادئة، كما أنه أسهم فى بناء وعيه، لعلى أرى الآن أسرة عبدالرحمن، ولعلى الآن أرى الابتسامة على وجه أمه، التى كانت تبكى بحرارة، وتتجرع الألم والفقد.
الآن أقول لها: يا أم عبدالرحمن، الجميع سيموت، لكن البعض من يواسى الآخرين، افرحوا واحتفوا واحتفلوا بنجاح نجلكم فأنتم من يستحق الفرح، لأنه يفرح الآن، ويجنى حقًا ثمار امتحاناته.
كثيرًا ما خرجت من رحم الأزمات، آمال وأفراح، واليوم نقول: بقوة نحتاج إلى من يلملم لنا أنفسنا، نحتاج إلى من يطبطب على أجسادنا، لأننا حقًا أنهكتنا الحياة، ولربما نحتاج إلى قدرِ، كقدر عبدالرحمن، ليبدل لنا حياتنا، ويخرجنا من الألم إلى الأمل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق