تضع الدولة المصرية فى الآونة الأخيرة ملف ربط البحث العلمى بالصناعة على رأس أولويات الأجندة الوطنية، إيمانًا منها بأن التحول نحو اقتصاد المعرفة ليس ترفًا فكريًا، بل هو السبيل الوحيد لتحقيق تنمية مستدامة، وتقليل الفجوة الاستيرادية، وزيادة تنافسية المنتج المصرى فى الأسواق العالمية.
وفى هذا السياق تأتى توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال لقاءاته الدورية وآخرها مع الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالى، لترسم خريطة طريق واضحة تهدف إلى تحويل مراكز البحوث إلى قاطرات حقيقية للنمو الاقتصادى.
لسنوات طويلة عانى البحث العلمى فى مصر انفصالًا شبه تام عن الواقع الصناعى، حيث كانت الأبحاث غالبًا ما تظل حبيسة الأدراج أو تقتصر على النشر فى الدوريات العلمية الدولية دون أن تجد طريقها للتطبيق العملى.
لقد تغيرت هذه الفلسفة جذريًا بتوجيهات الرئيس السيسى، التى ركزت على أن تكون الأولوية للمشروعات البحثية ذات العائد الاقتصادى المباشر.
إن اقتصاد المعرفة يعتمد فى جوهره على تحويل الأفكار والابتكارات إلى سلع وخدمات ذات قيمة مضافة عالية، ولذلك شدد الرئيس على ضرورة أن تلعب الجامعات دور بيت الخبرة للصناعة الوطنية، بحيث تعمل على حل المشكلات التقنية التى تواجه المصانع، وتطوير خامات بديلة للمكونات المستوردة، وهو ما يصب مباشرة فى دعم «صنع فى مصر».
وخلال متابعة الرئيس جهود وزارة التعليم العالى، برزت عدة ركائز استراتيجية لهذا التكامل، يمكن إيجازها فى عدة أمور تتمثل فى المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، حيث أكد الرئيس أهمية تحديث المناهج وتطوير التخصصات الجامعية لتتواكب مع الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعى.
الهدف هو تخريج جيل من الباحثين والمهندسين لا يمتلكون المعرفة النظرية فحسب، بل يمتلكون المهارات التطبيقية التى يحتاجها القطاع الصناعى، ما يقلل الفجوة بين الخريج وسوق العمل
ودعا الرئيس إلى تفعيل دور حاضنات الأعمال والشركات الناشئة داخل الجامعات، بحيث يتم توفير البيئة الداعمة لتحويل براءات الاختراع والابتكارات الطلابية إلى شركات صغيرة ومتوسطة توفر حلولًا تكنولوجية للمصانع الكبرى. هذا النموذج يخلق دورة اقتصادية مغلقة تبدأ من البحث وتنتهى بمنتج يباع ويصدّر.
وفى ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، شدد الرئيس على ضرورة استغلال البحث العلمى فى توطين الصناعات الاستراتيجية.
والبحث العلمى هنا لا يعنى فقط ابتكار تقنيات جديدة، بل يعنى أيضًا تطوير بدائل محلية للمواد الخام والمكونات التى تعتمد عليها المصانع المصرية، وهو ما يعد حجر الزاوية فى بناء اقتصاد معرفى مرن لا يتأثر بالتقلبات العالمية.
وهناك حاجة ماسة لزيادة استثمار القطاع الخاص فى البحث والتطوير، ولذلك مطلوب من الجامعات ومراكز البحوث الانفتاح على المجتمع الصناعى، وفهم احتياجاته، والتحدث بلغة السوق، وليس فقط باللغة الأكاديمية.
وفى هذا الصدد جاءت توجيهات الرئيس بضرورة تقديم حوافز ضريبية وجمركية للصناعات التى تتعاون مع الجامعات فى تنفيذ مشروعات بحثية، وهو إجراء حيوى وضرورى.
إن رؤية الرئيس السيسى لربط البحث بالصناعة هى جزء لا يتجزأ من مفهوم الجمهورية الجديدة. فالاقتصاد الذى يعتمد على تصدير المواد الخام أو العمالة الكثيفة هو اقتصاد هش، أما الاقتصاد الذى يعتمد على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا فهو اقتصاد ذو جذور عميقة.
إن دمج البحث العلمى فى نسيج العملية الصناعية يؤدى إلى تحويل المواد الأولية لمنتجات نهائية متطورة.
كما أن لقاءات الرئيس مع وزير التعليم العالى ليست مجرد اجتماعات دورية، بل هى بوصلة توجه الطاقات البحثية المصرية نحو هدف قومى أسمى. إننا بصدد مرحلة مفصلية يتحول فيها البحث العلمى من أداة للترقى الأكاديمى إلى أداة للبناء الوطنى.
إن النجاح فى هذا المسعى يتطلب تكاتفًا ليس فقط بين الوزارات، بل بين الجامعات والمصانع والمستثمرين.












0 تعليق