تحدث الدكتور محمود عنبر، أستاذ الاقتصاد، عن التداعيات الاقتصادية المتصاعدة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، محذرًا من أن استمرار التوترات في المنطقة، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز، يحمل انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وقد يدفع العالم نحو موجة جديدة من الركود التضخمي وعدم الاستقرار المالي.
وأكد خلال مداخلة عبر إكسترا نيوز، أن التحذيرات الصادرة بشأن تداعيات الأزمة لا تقتصر على منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وإنما تشمل العديد من المؤسسات الدولية المتخصصة، كل في نطاق اختصاصها.
وأوضح أن وكالات التصنيف الائتماني، ومنها وكالة فيتش، أطلقت تحذيرات تتعلق بتأثير استمرار التوترات على أوضاع الحكومات والشركات المرتبطة بالإنفاق والنشاط الحكومي، كما حذرت المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من انعكاسات الأزمة على معدلات النمو الاقتصادي العالمي وحركة التجارة الدولية.
الاقتصاد العالمي هو الخاسر الأكبر من الأزمة
وأشار عنبر إلى أن الخاسر الأكبر من استمرار الصراع هو الاقتصاد العالمي بأكمله، مؤكدًا أنه لا توجد دولة أو قوة إقليمية يمكن اعتبارها مستفيدة بشكل حقيقي من هذه الأزمة، سواء كانت طرفًا مباشرًا في الصراع أو خارجه.
وأضاف أن بعض الدول المصدرة للطاقة قد تحقق مكاسب مؤقتة نتيجة ارتفاع الأسعار، إلا أن حجم التداعيات الاقتصادية السلبية يتجاوز بكثير أي مكاسب محتملة.
أزمة الطاقة تمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة
وأوضح أن آثار الأزمة لم تعد تقتصر على قطاع الطاقة فقط، بل بدأت تنتقل إلى قطاعات اقتصادية أخرى، مشيرًا إلى ظهور موجات تضخمية في قطاعات الكيماويات والطيران المدني.
وأكد أن ارتفاع تكاليف الطيران ينعكس بدوره على قطاعي السياحة والنقل، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤثر بشكل مباشر على صناعة الأسمدة التي تمثل الطاقة أكثر من 70% من تكلفة إنتاجها، وهو ما يمتد تأثيره لاحقًا إلى القطاع الزراعي ثم الصناعات الغذائية.
موجة تضخمية تهدد مختلف القطاعات
وأشار إلى أن هذه التداعيات المتشابكة تؤدي في النهاية إلى موجة تضخمية واسعة النطاق تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، ما يرفع تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات على مستوى العالم.
وأضاف أن استمرار الأزمة لفترات طويلة قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى الدخول في حالة من الركود التضخمي، وهي من أكثر الحالات الاقتصادية تعقيدًا بسبب تزامن تباطؤ النمو مع ارتفاع معدلات التضخم.
هروب رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة
وأكد عنبر أن من أخطر تداعيات الأزمة الحالية تراجع الثقة في الأسواق الإقليمية واتجاه رؤوس الأموال إلى الملاذات الآمنة، سواء من خلال الاستثمار في الدولار أو الأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها أقل مخاطرة في أوقات الأزمات.
وأوضح أن هذا الاتجاه يؤدي إلى سحب الاستثمارات من الاقتصادات الناشئة والدول النامية، بما يضع ضغوطًا إضافية على تلك الاقتصادات في ظل الظروف العالمية الراهنة.
ارتفاع الدولار يفاقم أعباء الاقتصادات الناشئة
وأشار إلى أن زيادة الطلب على الدولار تؤدي إلى ارتفاع قيمته أمام العملات الأخرى، وهو ما ينعكس سلبًا على الدول النامية والناشئة من خلال زيادة أعباء خدمة الديون الخارجية وارتفاع تكاليف الاستيراد.
وأضاف أن هذه التطورات تخلق ضغوطًا إضافية على أسعار الصرف وتؤدي إلى مزيد من الضبابية وعدم اليقين في الأسواق المالية العالمية.
اختلالات هيكلية تتفاقم مع استمرار الأزمة
وأكد عنبر أن الاقتصاد العالمي يعاني بالفعل من اختلالات هيكلية متراكمة، موضحًا أن استمرار التوترات الحالية يزيد من حدة هذه الاختلالات ويضاعف المخاطر الاقتصادية.
وأشار إلى أن حجم هذه التداعيات يرتبط بشكل مباشر بمدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى تسوية سياسية للصراع، مؤكدًا أن تأخر الحلول السياسية يزيد من احتمالات اتساع نطاق الأضرار الاقتصادية على المستوى العالمي.
وشدد على أن استمرار حالة عدم اليقين الحالية تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، مشددًا على أن التوصل إلى تسويات سياسية وخفض حدة التوترات في المنطقة يمثلان السبيل الأهم للحد من التداعيات الاقتصادية المتزايدة وحماية استقرار الأسواق العالمية.


















0 تعليق