يُعد الاتحاد الدولي للنقابات العمالية (ITUC) أكبر تجمع نقابي في العالم، إذ تأسس عام 2006م، نتيجة اندماج الاتحاد الدولي لنقابات العمال الحرة والاتحاد العالمي للعمل، ويحظى باعتراف دولي واسع ويمثل عشرات الملايين من العمال في أكثر من 150 دولة.
وبحكم هذا الثقل المعنوي والتنظيمي، فإن التقارير التي يصدرها لا تُقرأ باعتبارها مجرد وجهات نظر، بل تُعامل في كثير من الأحيان بوصفها وثائق مرجعية يمكن أن تؤثر في صورة الدول أمام الرأي العام العالمي، والمؤسسات الاقتصادية، والجهات الاستثمارية، وصناع القرار.
ومن هذا المنطلق، حرصت على قراءة النسخة الإنجليزية الكاملة من تقرير الاتحاد لعام 2026م، المكون من 80 صفحة.. قراءة متأنية ومدققة، ليس بهدف الدفاع عن دولة أو مهاجمة منظمة، وإنما بهدف اختبار مدى التزام التقرير بالمنهجية التي أعلنها بنفسه في مقدمته.
في الصفحة السابعة من التقرير، يوضح الاتحاد أن مؤشر الحقوق العالمية التابع له يقيس حالة حقوق العمال في 151 دولة من خلال مقارنة البيئات الوطنية بمعايير القانون الدولي، ويحدد ثلاث اتجاهات رئيسية تشكل مستقبل حقوق العمال عالميًا، هي: استهداف القادة النقابيين البارزين، واستخدام المراقبة الرقمية لرصد وتأديب الموظفين وتتبع الأنشطة النقابية، وعدم التشاور مع النقابات العمالية قبل إصلاحات قوانين العمل.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين "المعيار" و"المؤشر". فالمعيار هو القاعدة أو المرجعية التي يُقاس عليها الأداء، أما المؤشر فهو الأداة الكمية أو النوعية القابلة للقياس التي تسمح بتحويل المعيار إلى نتائج يمكن التحقق منها ومراجعتها، وبعبارة أخرى، لا يكفي أن نتحدث عن حقوق العمال بوصفها معيارًا عامًا، بل يجب أن نمتلك مؤشرات واضحة ومحددة وقابلة للتحقق تثبت وقوع الانتهاك أو غيابه.
وأجد أنه من الضروري أن تكون هناك وقفة – قبل العودة للتقرير – لإيضاح خطورة التقييم عبر أداة المعيار والمؤشر:
المعروف أن ميزان تقييم الأمور، يتحكم فيه مصطلح المعيار، ومصطلح المؤشر، والفكرة العريضة دائما هي ما يسمى في مصطلحات الفكر بالمعيار... كأن نقول مثلا... إن النظام فشل في إدارة البلاد، أو أنه نجح في إدارتها، وهتان العبارتان تمثلان أفكارا عامة... يقال عنها إنها المعيار... أي مسمى معيار التقييم، وكي يتم وزن هذا المعيار بدقه، فلا بد من وجود مؤشرات تحكم قياس وتقييم هذا المعيار، وتلك المؤشرات يجب أن تتمتع بخاصية القياس والتحديد المتقن والأكيد، حتى أننا إذا أردنا أن نحكم على مدى نجاح أي نظام سياسي في إدارته أو إخفاقه، فلابد من وضع قياسات محددة لا تقبل التأويل.
وكي نقيم معيار نجاح النظام مثلا في إدارة الدولة، علينا أن نعود إلى المؤشرات الدقيقة... مثل المؤشرات الاقتصادية، ومؤشرات البطالة، ومؤشرات الرعاية الصحية، والعدالة الاجتماعية، وحركة بيع الأسهم في البورصة، والمؤشرات التي تنتجها استطلاعات الرأي العام، وهذا على سبيل المثال لا الحصـر، فإذا استدلت هذه المؤشرات بلغة الأرقام التي لا تكذب، وكانت في مضمونها إيجابية، فلا شك في أن النظام يكون قد قطع أشواطا في مسألة نجاحه في إدارة الدولة... والعكس صحيح بالقطع!
لكن الاستعمار الجديد، وأقصد هنا (هيمنة الدولة الاستعمارية القديمة على الدول التي كانت تستعمرها قديما والتحكم فيها بأساليب أخرى بعيدة عن الاستعمار العسكري المكلف) عودنا على استقاء المعلومة في صورة المعيار فقط، باعتبار أن آلياته الإخبارية وآلته الإعلامية هي المصدر الذي خُدعنا دائما في مصداقيته، ونحن نجد أن الكثير من التقارير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان تتهم نظام الحكم في مصـر باعتقال المعارضين... ويأتي هذا الخبر في صورة معيار تحت عنوان ( الاعتقال المتزايد في مصـر )، ثم لا تذكر تلك التقارير المؤشرات الدالة على عدد المعتقلين وأسمائهم وأماكن اعتقالهم وظروف هذا الاعتقال، أو أنها تتكلم عن حالة السخط العام من تدني الأحوال المعيشية في مصـر، دون أن تقيس تلك الأحوال بمؤشرات جودة الحياة المعترف بها عالميا، وهل زادت إيجابية تلك المؤشرات أم تدنت؟!.
تلك هي الحالة الفكرية التي أوقعنا فيها الاستعمار الجديد وأعوانه، معتمدين عل أن المواطن يستقي معلومته سمعيًا عن طريق المعلومات الشائعة.
وفي السمع ينجح الاختصار وتذوب التفاصيل، لكن لم يسأل المواطن القاريء نفسه وهو يستمع لتلك الأغلاط... عن مؤشرات تلك الأخبار التي يسمعها ودلالاتها وأرقامها القياسية، وهذا بالطبع يكون مدخلا للتشكيك في ضمير أي نظام، وحكومته، واتهام كل جهود الإصلاح والتنمية بالفشل والإخفاق وسوء التخطيط وهدر الأموال، وهو ما يوفر مادة خصبة للأبواق المعادية لأن تخوض في الترويج لفشل نظام الحكم ومحاولة إثارة المواطنين ضد النظام الذي يحكمه عندما لا تتفق أجندته مع أهداف الدول الكبرى المهيمنة وتوجهات الاستعمار الجديد.
ثم أعود إلى التقرير:
في بداية قراءة التقرير، بدت الصورة متوازنة نسبيًا، فقد تضمن انتقادات حادة لإسرائيل بسبب تداعيات الحرب على غزة وتأثيرها على العمال الفلسطينيين، كما أشار إلى بعض الممارسات المثيرة للجدل في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وفرنسا. وكان ذلك يوحي للقارئ بأن التقرير لا يستهدف منطقة بعينها، وأن معياره المعلن هو العدالة المهنية بغض النظر عن هوية الدولة أو موقعها السياسي.
غير أن هذا الانطباع بدأ يتراجع تدريجيًا مع الانتقال من الإطار النظري إلى التطبيقات العملية، خاصة عند الوصول إلى الجزء الخاص بمصر وتصنيفها ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث حقوق العمال.
فاللافت للنظر أن التقرير لم يقدم أدلة تفصيلية أو بيانات موثقة تتناسب مع خطورة الاتهام، فإذا كان أحد المؤشرات الرئيسية يتمثل في استهداف القادة النقابيين البارزين، فمن الطبيعي أن ينتظر القارئ ذكر أسماء هؤلاء القادة أو عرض وقائع محددة أو أحكام أو إجراءات موثقة يمكن الرجوع إليها، لكن التقرير لم يقدم ذلك بالشكل الذي يسمح بالتحقق أو المراجعة، بل كان أشبه بموضوع "تعبير" أو تحقيق صحفي!
أما فيما يتعلق بمسألة المراقبة الرقمية وتتبع الأنشطة النقابية، فإن التقرير يطرح القضية باعتبارها حقيقة مستقرة دون أن يوضح حدودها أو آلياتها أو أدلتها، والحقيقة أن الفضاء الرقمي اليوم لم يعد مجرد مساحة للتواصل الاجتماعي، بل أصبح ساحة معقدة تتداخل فيها الحسابات الحقيقية مع الحسابات الوهمية، وتتحرك داخله جماعات ضغط عابرة للحدود، وخلايا إلكترونية منظمة، ومنصات مجهولة المصدر، وحملات تأثير تستهدف الرأي العام في مختلف الدول، ومن ثم فإن أي حديث عن الرقابة الرقمية أو المتابعة الإلكترونية يجب أن يستند إلى أدلة تقنية وقانونية واضحة، لا إلى استنتاجات عامة أو روايات غير قابلة للتحقق.
أما المؤشر الثالث المتعلق بعدم التشاور مع النقابات قبل إصلاحات قوانين العمل، فإنه يثير مفارقة لافتة. فبينما يلوم التقرير الحكومات إذا لم تتشاور مع النقابات، نجد أن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أعلن أن مُعدي التقرير لم يتواصلوا معه، ولم يطلبوا منه بيانات أو معلومات، كما لم يتواصلوا مع الجهات الوطنية المختصة وعلى رأسها وزارة العمل، وهنا يبرز سؤال منهجي مشروع: كيف يمكن إدانة دولة بسبب غياب التشاور بينما لم يلتزم معدو التقرير أنفسهم بمبدأ التشاور مع المؤسسات النقابية الرئيسية داخل تلك الدولة؟
وعندما لخص التقرير وضع مصر، ركز على ثلاث قضايا رئيسية هي احتكار الدولة للنقابات، ووجود عوائق أمام تسجيل النقابات المستقلة، وخطر الاعتقال بسبب النشاط النقابي. إلا أن القارئ لا يجد أمامه مؤشرات كمية أو قواعد بيانات أو دراسات ميدانية تسمح بقياس حجم هذه الادعاءات أو التحقق من دقتها، وهو ما يجعل الاستنتاجات تبدو أقرب إلى أحكام عامة منها إلى نتائج بحثية.
لكن النقطة الأكثر إثارة للانتباه لا تتعلق بالمضمون فقط، بل باللغة المستخدمة نفسها، فقد وصف التقرير الدولة المصرية بأنها "نظام استبدادي مدعوم من الجيش برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي"، وهنا ينتقل النص من لغة المؤشرات إلى لغة التوصيف السياسي المباشر، والمواقف الشخصية.
والواضح أن التقرير انتقل إلى تبني توصيفات سياسية مباشرة لرأس الدولة المصرية والرئيس عبد الفتاح السيسي، مستخدمًا لغة تكاد تتطابق مع الأدبيات والخطابات التي تتبناها الجماعات والتنظيمات المعادية للدولة المصرية منذ سنوات، وهنا تبرز إشكالية منهجية خطيرة؛ فالمؤسسات البحثية والحقوقية الجادة لا تصدر أحكامًا سياسية مسبقة، وإنما تعرض مؤشرات ووقائع وبيانات تسمح للقارئ بتكوين استنتاجه بنفسه، أما عندما يتحول التقرير من لغة القياس إلى لغة الإدانة، ومن عرض المؤشرات إلى تبني توصيفات أيديولوجية جاهزة، فإننا لا نكون أمام عمل بحثي بقدر ما نكون أمام خطاب سياسي يرتدي ثوب التقرير الحقوقي.
فكيف يمكن لمنظمة تدّعي الاحتكام إلى المعايير الدولية أن تتجاوز مؤشرات القياس التي أعلنتها بنفسها لتتبنى أوصافًا سياسية خلافية لا تدخل أصلًا ضمن مؤشرات حقوق العمال التي زعمت أنها تعتمد عليها؟ فالتقارير الحقوقية والبحثية الرصينة لا تُقاس بقوة الأوصاف التي تطلقها، بل بقدرتها على عرض الأدلة والمؤشرات والوقائع التي تسمح للمُطلع عليها بالوصول إلى استنتاجاته بنفسه.
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب يثير تساؤلًا مشروعًا حول مصادر المعلومات التي استند إليها التقرير، وحول مدى تأثره بالسرديات التي تروجها جماعات وتنظيمات تحمل خصومة سياسية معلنة مع الدولة المصرية، فالمنهج العلمي لا يعرف مصطلحات من قبيل "النظام الاستبدادي" باعتبارها حقائق قائمة بذاتها، بل يعرف الأدلة والوقائع والمؤشرات القابلة للتحقق. أما استبدال المؤشر بالشعار، والبيان السياسي بالتحليل الموضوعي، فهو في حد ذاته خروج على أبسط قواعد النزاهة البحثية التي يفترض أن تحكم مثل هذه التقارير الدولية.
إن وصف أي نظام سياسي بأنه "استبدادي" ليس مؤشرًا علميًا في تقرير يقدم نتائج كمية ويصف الحالة بالدليل، وإنما حكم سياسي يحتاج إلى تعريفات دقيقة ومعايير قابلة للقياس ومقارنات منهجية واضحة، أما إطلاق هذا الوصف داخل تقرير يفترض أنه مهني وتقني، دون تقديم الأسانيد الكافية التي تبرره، فإنه يفتح الباب أمام التساؤل حول مدى تأثر التقييمات باعتبارات سياسية أو أيديولوجية تتجاوز نطاق حقوق العمال.
والأمر لا يتوقف عند حدود اللغة، فالتقرير تجاهل الإشارة إلى عدد من التطورات التشريعية والمؤسسية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، ومن بينها صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وتعزيز آليات الحوار الاجتماعي، وإنشاء مجلس أعلى للتشاور الاجتماعي بوزارة العمل المصرية، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين بيئة العمل، وتطوير منظومة السلامة والصحة المهنية، بالإضافة إلى افتتاح العديد من المشروعات التي توفر فرص عمل وتحد من مؤشرات البطالة، وأيضا سياسات تحسين الأجور وتطبيق الحد الأدنى للأجور للتغلب على التضخم والغلاء، وتعديلات قانون التأمينات الاجتماعية، كما تجاهل التقرير واقع التعاون المستمر بين المؤسسات المصرية ومنظمة العمل الدولية في عدد من الملفات المتعلقة بسوق العمل والعلاقات الصناعية.
ولا يعني ذلك أن أوضاع العمال في مصر أو غيرها من الدول تخلو من التحديات أو المشكلات، فليس هناك مجتمع كامل، لكن النقد الموضوعي يختلف جذريًا عن إصدار الأحكام المسبقة، فالأول يستند إلى بيانات قابلة للتحقق، أما الثاني فيستند إلى الانطباعات والتوجهات السياسية.
وتكمن خطورة هذه التقارير في أن آثارها لا تظل حبيسة الأوراق، فحين تُصنف دولة ما ضمن أسوأ عشر دول في العالم، فإن ذلك ينعكس على صورتها الدولية، وقد يؤثر على قرارات بعض المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات، كما يمكن أن يتحول إلى مادة تستغلها جماعات الضغط والمنصات الإعلامية المعادية لتشويه صورة الدولة، بغض النظر عن دقة المعلومات الواردة فيه.
ومن هنا يبرز سؤال أكبر من حالة مصر نفسها: من يراجع تقارير المنظمات الدولية غير الحكومية؟ ومن يراقب منهجياتها؟ ومن يضمن أن التقييمات الصادرة عنها تعكس الواقع فعلًا لا تصورات مسبقة عنه؟
لقد نشأت عبر العقود الماضية شبكات واسعة من المنظمات الدولية الحقوقية والاقتصادية والمهنية والثقافية التي لا تتبع حكومات بعينها، لكنها تمتلك تأثيرًا هائلًا في تشكيل الرأي العام العالمي. وهذا التأثير يمنحها مسؤولية مضاعفة تجاه الدقة والحياد والشفافية. فكلما زادت سلطة التقييم، ازدادت الحاجة إلى مساءلة القائمين عليه.
إن المشكلة ليست في أن تُنتقد مصر، فالنقد حق مشروع، بل في أن تُدان دولة كاملة بتوصيفات سياسية وأحكام قطعية لا تسندها مؤشرات معلنة ولا وقائع موثقة ولا منهجية قابلة للتحقق.
فكما تطالب المنظمات الدولية الحكومات بالشفافية والمساءلة، يظل من حق الشعوب والدول أن تسأل تلك المنظمات السؤال ذاته: من يراجع أحكامكم؟ ومن يدقق مؤشراتكم؟ ومن يضمن ألا تتحول التقارير الحقوقية إلى أدوات نفوذ سياسي تُستخدم باسم الحقوق بينما تبتعد عن جوهرها العلمي؟
فالمصداقية لا تُمنح بالصفة الدولية، وإنما تُكتسب بالدليل، وتُصان بالحياد، وتسقط عندما تحل الأيديولوجيا محل المنهج.


















0 تعليق