قبل عقود قليلة كانت شوارع المدن والقرى المصرية تعج بأصحاب المهن الشعبية الذين شكلوا جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية كانت أصواتهم تملأ الحارات وحضورهم يمثل ضرورة لا غنى عنها للأسر لكن عجلة التطور التكنولوجي وتغير أنماط المعيشة دفعت كثيرًا من هذه المهن إلى حافة الاندثار حتى أصبحت مجرد ذكريات ترويها الأجيال القديمة.
السقا.. حامل الماء الذي هزمته الصنابير
على مدى قرون طويلة كان "السقا" أحد أهم أصحاب المهن في المجتمع المصري إذ تولى مهمة نقل المياه من الخزانات والآبار إلى المنازل والمساجد قبل إنشاء شبكات المياه الحديثة.
وكان يحمل قربة مصنوعة من جلد الماعز على ظهره أو ينقل المياه في براميل كبيرة فوق عربات تجرها الدواب ومع تأسيس شركة المياه عام 1865 وانتشار شبكات التوزيع الحديثة بدأت المهنة تتراجع تدريجيًا حتى اختفت تمامًا.
الحكواتي.. حين كانت القهوة مسرحًا للحكايات
قبل ظهور التلفزيون ووسائل التواصل الحديثة كان الحكواتي مصدرًا أساسيًا للترفيه والمعرفة الشعبية.
في المقاهي الشعبية كان يجلس محاطًا بالمستمعين ليروي السير البطولية والحكايات التراثية مثل سيرة عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي معتمدًا على قوة صوته وقدرته على شد انتباه الجمهور وإثارة مشاعرهم لكن تطور وسائل الإعلام الحديثة سحب البساط تدريجيًا من تحت أقدام الحكواتي حتى اختفى من المشهد اليومي.
سنان السكاكين.. صانع الحواف الحادة
من المهن التي ارتبطت بالأحياء الشعبية مهنة "سنان السكاكين" الذي كان يجوب الشوارع بمناداته الشهيرة طالبًا من الأهالي إصلاح السكاكين والمقصات والأدوات الحادة.
واعتمدت المهنة على حجر دائري يدور بسرعة لسن الأدوات المعدنية وهي عملية تحتاج إلى دقة وخبرة كبيرة ومع انتشار الأدوات الرخيصة وسهولة استبدالها بدلًا من إصلاحها تراجعت المهنة وأصبحت من النوادر.
مبيض النحاس.. حارس أواني المطبخ
عندما كانت الأواني النحاسية تحتل مكانة أساسية داخل البيوت المصرية كان "مبيض النحاس" ضيفًا دائمًا على القرى والأحياء الشعبية.
وكان يتنقل من مكان إلى آخر لإعادة بريق الأواني وحمايتها من الصدأ مستخدمًا النار والقصدير والنشادر في عملية دقيقة تحتاج إلى مهارة وخبرة ولم تكن المهمة سهلة فحرارة النحاس المرتفعة كانت تدفعه إلى الغناء أثناء العمل للتغلب على المشقة قبل أن يصبح الألومنيوم والستانلس ستيل بديلًا أنهى الحاجة إلى هذه المهنة تقريبًا.
القباني.. الميزان المتجول
قبل انتشار الموازين الحديثة داخل المحال التجارية كان "القباني" أو "الوزان" يتنقل بين الأسواق حاملًا ميزانه الكبير ليزن البضائع مقابل أجر بسيط.
ومع تطور التجارة وامتلاك كل متجر ميزانه الخاص لم تعد هناك حاجة إلى هذه الخدمة فاختفى القباني من الأسواق المصرية.
الطرابيشي.. صانع أناقة زمن الباشوات
كان الطربوش رمزًا للوجاهة الاجتماعية والأناقة الرسمية في مصر خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
وازدهرت مهنة "الطرابيشي" الذي تخصص في صناعة وبيع الطرابيش المصنوعة من القماش الأحمر والورق المقوى ومع تغير الأزياء الرسمية بعد ثورة يوليو 1952 واختفاء الطربوش من الحياة العامة تراجعت المهنة حتى اندثرت تقريبًا.
فرقنا.. متجر يسير على الأقدام
عرف المصريون قديمًا "فرقنا" باعتباره بائعًا متجولًا يحمل على ظهره "بقشة" ضخمة تضم الأقمشة وبعض احتياجات المنزل.
وكان يصل إلى المناطق البعيدة التي لا توجد بها متاجر كبيرة مقدمًا بضائعه بأسعار مناسبة ومع انتشار الأسواق والمحال التجارية وشبكات التوزيع الحديثة اختفت هذه المهنة تدريجيًا.
ورغم اختفاء هذه المهن من الواقع اليومي فإنها ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية المصرية باعتبارها جزءًا من تاريخ المجتمع وتفاصيل حياته البسيطة فقد كانت أكثر من مجرد وسائل لكسب الرزق بل مثلت ملامح ثقافية واجتماعية تعكس طبيعة الحياة في زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر قربًا وكانت الشوارع تحتفظ بوجوهها القديمة وأصواتها المميزة.












0 تعليق