في ذكرى فتح حمص..
في مثل هذا اليوم من عام 636م، شهدت بلاد الشام واحدة من أبرز محطات الفتوحات الإسلامية، حين تمكن المسلمون بقيادة أبو عبيدة بن الجراح من فتح مدينة حمص بعد حصار طويل وشديد، انتهى بطلب أهل المدينة الصلح والأمان، لتدخل حمص تحت حكم المسلمين دون معركة فاصلة داخل أسوارها.
حمص.. المدينة الحصينة في قلب الشام
جاء فتح حمص ضمن سلسلة الفتوحات الإسلامية التي أعقبت فتح دمشق خلال عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وكانت حمص آنذاك من أهم المدن البيزنطية في بلاد الشام، وتمتعت بموقع استراتيجي مهم وحصون قوية جعلتها واحدة من أصعب المدن التي واجهها المسلمون خلال توسعهم في المنطقة.
وبعد استقرار المسلمين في دمشق، تحرك أبو عبيدة بن الجراح بجيشه نحو حمص، بينما سعى الإمبراطور البيزنطي هرقل إلى إيقاف التقدم الإسلامي، فأرسل قوات لمواجهة المسلمين قبل وصولهم إلى المدينة، لكن تلك المحاولات لم تنجح، واستمر الجيش الإسلامي في زحفه حتى فرض حصاره على حمص.
شتاء قاسٍ لم يكسر الحصار
اعتمد الروم على عامل الزمن والطقس أكثر من اعتمادهم على المواجهة المباشرة، إذ كان شتاء حمص معروفًا ببرودته الشديدة. وتوقع قادة المدينة أن يضطر المسلمون إلى الانسحاب مع طول الحصار وقسوة الأحوال الجوية، خاصة أن الروم كانوا يتحصنون خلف الأسوار والخنادق المنيعة.
لكن الجيش الإسلامي واصل حصاره رغم البرد القارس ونقص الإمكانات مقارنة بما تمتلكه المدينة المحصنة، وهو ما غيّر حسابات المدافعين تدريجيًا، وأظهر إصرار المسلمين على استكمال فتح المدينة مهما طال الوقت.
حيلة عسكرية قلبت الموازين
تذكر المصادر التاريخية أن المسلمين لجأوا خلال الحصار إلى خطة عسكرية هدفت إلى إخراج القوات البيزنطية من تحصيناتها. فقد تظاهر بعض المقاتلين المسلمين بالانسحاب والتراجع، تاركين خلفهم متاعًا وإبلًا، فظن الروم أن الحصار أوشك على الانتهاء، وخرجوا من أسوار المدينة لملاحقة القوات المنسحبة.
وعندما ابتعدت القوات البيزنطية عن حصونها، التف المسلمون حولها وشنوا هجومًا مباغتًا ألحق بها خسائر كبيرة، الأمر الذي أضعف معنويات المدافعين داخل المدينة وأدرك معه قادة حمص أن استمرار المقاومة لن يغير النتيجة النهائية.
الصلح بدلًا من القتال
أمام استمرار الحصار وتراجع القدرة على المقاومة، طلب كبار أهل حمص ورجال الدين فيها الصلح مع المسلمين. وقبل أبو عبيدة بن الجراح هذا الطلب، وجرى الاتفاق على منح السكان الأمان على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم، مقابل خضوع المدينة للحكم الإسلامي ودفع الجزية وفق ما جرى عليه العمل في عدد من مدن الشام آنذاك. وبذلك دخلت حمص في الدولة الإسلامية صلحًا، لتصبح لاحقًا واحدة من أهم الحواضر الإسلامية في بلاد الشام، ومركزًا عسكريًا وإداريًا بارزًا خلال العصور التالية.
محطة مهمة في فتح الشام
لا يُنظر إلى فتح حمص باعتباره مجرد انتصار عسكري، بل يعد نقطة تحول مهمة في مسار الفتح الإسلامي للشام، إذ فتح الطريق أمام التقدم نحو مدن ومناطق أخرى في شمال سوريا، كما عزز الوجود الإسلامي في المنطقة بعد الانتصارات الكبرى التي حققها المسلمون خلال تلك الفترة. وبعد استقرار الأوضاع في حمص، واصل المسلمون تحركاتهم نحو مدن أخرى، في إطار استكمال السيطرة على بلاد الشام.
















0 تعليق