ملامح العهد الجديد.. العراق يعيد صياغة علاقاته الإقليمية بعيداً عن طهران

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد الساحة السياسية تحولات استراتيجية بارزة حيث يسعى العراق إلى إعادة صياغة تموضعه الإقليمي والدولي من خلال اتخاذ خطوات تدريجية ومدروسة لإعادة التوازن إلى سياسته الخارجية.

 وتأتي هذه التحركات الرسمية لبغداد في وقت دقيق وحرج للغاية بهدف تحسين علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية الشقيقة، وذلك بعد سنوات طويلة وممتدة من الهيمنة والنفوذ الإيراني الواسع الذي ألقى بظلاله الثقيلة على مراكز القرار السياسي والأمني والاقتصادي العراقي.

​وحسب تقرير لموقع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية فإن التحول الدبلوماسي الجديد برز بوضوح بعد يوم واحد فقط من دعوة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى إطلاق مسار تنسيق مشترك ووثيق بين بغداد ودمشق، بالتزامن مع خطوة غير مسبوقة لوزارة الخارجية العراقية التي أصدرت بياناً رسمياً أدانت فيه للمرة الأولى الضربات الصاروخية التي شنتها طهران ضد الكويت والبحرين والأردن رداً على هجمات أميركية.

​واعتبرت الخارجية العراقية في بيانها الصارم أن تلك الضربات الصاروخية الإيرانية تمثل تهديداً مباشراً ومقلقاً للاستقرار الإقليمي في المنطقة العربية، محذرة بلهجة شديدة من مخاطر انزلاق المنطقة برمتها نحو مواجهات عسكرية أوسع نطاقاً لما قد تتركه من تداعيات سلبية جسيمة ومعقدة على الأمن الإقليمي والدولي، ومطالبة بضرورة تجنيب شعوب المنطقة مزيداً من أجواء التوتر وعدم الاستقرار السياسي والأمني بالاعتماد على لغة الحوار والحكمة.

​وشدد البيان الحكومي الرسمي على أن استقرار الدول العربية الشقيقة والدول المجاورة يمثل جزءاً أساسياً ومحورياً لا يتجزأ من استقرار العراق وأمنه الوطني والقومي، مؤكداً في الوقت ذاته على الأهمية البالغة للحفاظ على العلاقات الاستراتيجية المتينة بين دول المنطقة وصون المصالح المشتركة الواسعة التي تخدم مسارات التنمية والازدهار والتعاون الاقتصادي المشترك، مما يعكس رغبة حقيقية في الخروج من العباءة الإيرانية.

​تحديات مالية خانقة تفرض مراجعة الحسابات السياسية

​ويرى مراقبون ومحللون سياسيون في بغداد أن هذه الإدانة الدبلوماسية الصريحة تأتي ضمن سلسلة من الخطوات المتكاملة والمدروسة التي تتخذها الحكومة الجديدة، والتي تشمل الشروع الفعلي في إجراءات أمنية صارمة تهدف إلى حصر السلاح المنفلت بيد الدولة وحدها، فضلاً عن التحضير لزيارة رسمية مرتقبة للزيدي إلى العاصمة الأميركية واشنطن برفقة وفد اقتصادي رفيع المستوى يضم رجال أعمال عراقيين لفتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية.

​وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية الجريئة للخارجية العراقية في وقت تواجه فيه حكومة الزيدي تحديات اقتصادية وتكثف الضغوط المالية الخانقة والحادة، حيث كشفت مصادر مطلعة من داخل بغداد أن الحكومة الجديدة تسلمت خزينة خاوية تعاني من نقص حاد وشديد في السيولة النقدية إذ لا يتجاوز الاحتياطي المالي المتاح حاجز المليار دولار واحد فقط، في حين تواجه التزامات مالية ورواتب عاجلة تقدر بنحو ستة مليارات دولار.

​وأبلغ رئيس الوزراء علي الزيدي قوى سياسية بارزة في بغداد عزمه الأكيد على اتخاذ حزمة من الإجراءات والقرارات الاقتصادية الصعبة والتقشفية لتفادي اندلاع موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية الجديدة في الشارع العراقي، على غرار تظاهرات عام ألفين وتسعة عشر المعروفة باسم انتفاضة تشرين والتي اندلعت بقوة خلال ولاية رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي بسبب تدهور الخدمات المعيشية والفساد.

​وفي هذا السياق أقر زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم وهو أحد أبرز قادة الإطار التنسيقي الداعم للحكومة بأن الضغوط المالية والاقتصادية الحالية التي تواجهها البلاد قد تؤدي اضطراراً إلى تأخير صرف المستحقات المالية لبعض الفئات والشرائح الاجتماعية، مرجعاً تلك الأزمة إلى استمرار التوترات الإقليمية والاضطرابات العسكرية الجارية التي تؤثر بشكل مباشر وسلبي على إمدادات الطاقة الحيوية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.

​تحولات بنيوية وتفكيك منظومة السلاح المنفلت

​وفي مؤشر واضح يحمل دلالات سياسية عميقة على حجم الأزمة التي تواجهها الطبقة السياسية برمتها، دعا رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي المعروف تاريخياً بعلاقاته الوثيقة والراسخة مع القيادة الإيرانية إلى أهمية تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية، مؤكداً على ضرورة العمل الجماعي لضمان إنجاح زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن للحصول على الدعم المالي والاقتصادي اللازم لإنقاذ الموقف المتأزم.

​وتزامنت هذه المواقف السياسية مع تطورات ميدانية لافتة على الأرض، حيث بدأ أعضاء فصيل سرايا السلام مراسم رسمية وإجراءات عملية تؤذن ببدء اندماجهم الكامل والتدريجي في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية الرسمية في مدينة سامراء الواقعة شمال بغداد، مما يشير إلى رغبة حقيقية في إنهاء ظاهرة المظاهر المسلحة غير القانونية ودعم سيادة القانون ومفهوم الدولة القوية والمستقلة بقرارها.

​ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن التطورات الإقليمية العاصفة والمتسارعة دفعت العراق إلى إعادة النظر بشكل شامل وعميق في موقعه الاستراتيجي ضمن التوازنات الإقليمية المعقدة، مؤكداً أن الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة وأثرت بشكل مباشر على أمن البلاد جعلت من الضروري والمستعجل تعزيز استقلالية القرار الخارجي والابتعاد عن التبعية المطلقة لأي طرف كان.

​وأضاف الأكاديمي عصام الفيلي أن تحركات رئيس الوزراء تشير بوضوح تام إلى رغبته الجادة في بناء شبكة علاقات متوازنة وصحية مع المحيط العربي والمجتمع الدولي، مع الأخذ في الحسبان حجم التحديات الداخلية والأزمات الاقتصادية الخانقة التي تواجه حكومته، معتبراً أن إدانة بغداد الصريحة للضربات الإيرانية ضد دول الخليج العربي تعكس بداية فعلية لمرحلة سياسية جديدة ومغايرة تماماً.

​صياغة جديدة للتوازنات وبناء دولة المؤسسات

​وأوضح الفيلي في سياق حديثه الصحفي أن هذا التوجه الدبلوماسي الجديد لم يعد يقتصر على رؤية رئيس الوزراء وحده بل أضحى جزءاً من إدراك عام ومتزايد داخل المنظومة السياسية الحاكمة بأن المتغيرات الدولية والإقليمية الراهنة لا تصب أبداً في مصلحة استمرار الارتباط الوثيق بطهران، لافتاً إلى أن المطالب الأميركية المرتبطة بإعادة صياغة العلاقات تتطلب معالجة حاسمة لملف الفصائل المسلحة.

​من جهته أكد غالب الدعمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة أن المؤشرات السياسية والميدانية الحالية تدل بشكل قاطع على أن العراق يتجه اليوم وبوتيرة متسارعة نحو تعزيز علاقاته الاستراتيجية والاقتصادية مع الولايات المتحدة والابتعاد تدريجياً عن تأثير المحور الإيراني، مضيفاً أن أبرز مظاهر هذا التحول الكبير تتمثل في الإجراءات الأمنية الجارية لتفكيك نفوذ الفصائل المسلحة وحصر السلاح.

​واختتم الدعمي قراءته للمشهد السياسي بالإشارة إلى أن تعزيز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية مقابل تراجع نفوذ السلاح المنفلت خارج إطار الدولة يمكن أن يسهم بفعالية في بناء دولة وطنية أكثر استقراراً وأمناً، الأمر الذي يوفر بيئة جاذبة ومثالية لدعم الاقتصاد الوطني المتعثر، وتقليل التأثيرات السلبية الناتجة عن الصراعات الإقليمية والمحاور المتنافسة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق