سفير مصر الأسبق: بطاقة غذائية إلكترونية أفضل من التحول الفوري إلى الدعم النقدي
منجي بدر: ربط الدعم بالتضخم واستخدام الذكاء الاصطناعي يضمنان وصوله لمستحقيه
في ظل الضغوط المتزايدة على الموازنة العامة للدولة عاد ملف الدعم إلى صدارة النقاش الاقتصادي خاصة مع تنامي الدعوات للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي باعتباره أكثر كفاءة في إدارة الموارد العامة لكن يبقى السؤال الأهم هل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية في مصر تسمح بهذا التحول؟
في هذا الحوار يكشف الدكتور منجي بدر عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة رؤيته لمستقبل منظومة الدعم، موضحًا مزايا وعيوب الدعم النقدي، ومقترحًا نموذجًا جديدًا أطلق عليه “الدعم الذكي الموجه” باعتباره الخيار الأكثر توازنًا بين كفاءة الإنفاق وحماية الأمن الغذائي للمواطنين.
بداية.. كيف تنظر إلى الجدل الدائر بشأن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي؟
الدعم في مصر لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد بند مالي في الموازنة العامة، بل يمثل أحد أهم أدوات تحقيق الاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي، وبالتالي فإن النقاش الحالي لا يتعلق فقط بتغيير آلية الصرف، وإنما بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن وضمان استمرار الحماية للفئات الأكثر احتياجًا.
وما حجم منظومة الدعم والحماية الاجتماعية حاليًا؟
تمثل منظومة الدعم والحماية الاجتماعية أحد أكبر بنود الإنفاق الاجتماعي في الدولة. فبرنامج “تكافل وكرامة” وحده يخدم أكثر من 4.6 مليون أسرة، بما يعادل نحو 17 مليون مستفيد مباشر وغير مباشر، كما خصصت الدولة نحو 732.6 مليار جنيه للحماية الاجتماعية في موازنة 2025/2026، إلى جانب استمرار دعم الخبز والسلع التموينية لعشرات الملايين من المواطنين.
ما الأسباب التي تدفع الحكومة للتفكير في التحول إلى الدعم النقدي؟
هناك عدة اعتبارات، أبرزها ارتفاع تكلفة الدعم العيني مع زيادة أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، فضلًا عن وجود بعض أوجه التسرب التي تقلل من كفاءة الإنفاق العام. كما أن الدعم النقدي يمنح المواطن حرية أكبر في اختيار احتياجاته، ويتماشى مع الاتجاهات العالمية التي تعتمد على التحويلات النقدية بدلًا من الدعم السلعي التقليدي.
وهل تري أن التحول الكامل إلى الدعم النقدي هو الخيار الأنسب حاليا ؟
في تقديري، لا، فهناك مخاطر حقيقية يجب الانتباه إليها، أبرزها التضخم الذي قد يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للمبالغ النقدية المخصصة للدعم، كما أن الدعم النقدي لا يضمن بالضرورة تحقيق الأمن الغذائي، إذ قد تضطر بعض الأسر لتوجيه الأموال إلى سداد التزامات أخرى مثل الإيجارات أو الديون أو النفقات الطارئة.
ما التحديات الأخرى المرتبطة بهذا التحول؟
بعض المناطق الريفية والحدودية لا تزال تعاني من محدودية المنافسة في الأسواق، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار إذا تحول ملايين المستفيدين إلى مشترين نقديين في توقيت واحد. لذلك أرى أن المفاضلة ليست بين الدعم العيني والدعم النقدي، وإنما بين الدعم التقليدي والدعم الذكي.
ذكرت مفهوم “الدعم الذكي”.. ماذا تقصد به؟
أقصد نموذج أكثر تطور يجمع بين مزايا الدعم العيني والدعم النقدي، ويعتمد على التكنولوجيا والرقمنة في إدارة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه بأعلى كفاءة ممكنة.
هل توجد تجارب دولية يمكن الاستفادة منها؟
بالتأكيد، من أبرز النماذج التجربة الأمريكية المعروفة ببرنامج “طوابع الطعام”. هذا النظام ليس دعمًا نقديًا خالصًا ولا دعمًا عينيًا تقليديًا، حيث يحصل المستفيد على رصيد إلكتروني مخصص للغذاء فقط يمكن استخدامه في المتاجر المعتمدة. وقد نجح هذا النموذج في تحقيق حرية الاختيار للمواطن، ومنع استخدام الدعم في أغراض غير غذائية وتعزيز المنافسة بين المتاجر.
ما النموذج الذي ترها مناسب ؟ وما أبرز هذه المحاور؟
أرى أن أفضل خيار هو “الدعم الذكي الموجه”، ويقوم على خمسة محاور رئيسية.
أولا: إنشاء بطاقة غذائية إلكترونية مرنة، تسمح للمواطن بشراء مختلف السلع الغذائية الأساسية من أي متجر أو سلسلة تجارية معتمدة.
ثانيا ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم، بحيث يتم تحديثها تلقائيًا وفقًا لمؤشرات أسعار الغذاء للحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين.
ثالثًا توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات من خلال الربط بين قواعد بيانات الضرائب والتأمينات والكهرباء والمياه والسجل العقاري لتحديد المستحقين بدقة أكبر.
رابعا: تحويل جزء من الدعم إلى أداة إنتاجية عبر تخصيص رصيد يمكن استخدامه في مشروعات صغيرة أو أنشطة منزلية تدر دخلًا للأسر.
خامسا: إنشاء محفظة حماية اجتماعية رقمية موحدة تضم مختلف أشكال الدعم والخدمات الاجتماعية في منصة واحدة.
ما المقترحات التي يمكن أن تعزز نجاح هذا النموذج؟
هناك عدد من المقترحات المهمة، من بينها إطلاق بورصة إلكترونية للسلع المدعومة لمتابعة الأسعار ومنع الاحتكار، ومنح المحافظات مرونة أكبر في إدارة آليات الدعم وفق ظروفها المحلية، وتحويل جزء من الدعم إلى نقاط تنموية مرتبطة بالتعليم والتدريب المهني، بالإضافة إلى إنشاء صندوق سيادي للأمن الغذائي لمواجهة التقلبات العالمية.
كيف تري مستقبل منظومة الدعم؟
أعتقد أن نجاح منظومة الدعم لن يقاس بحجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما بمدى قدرتها على توجيه كل جنيه إلى المواطن الأكثر احتياجًا. ومن ثم فإن التحول الكامل إلى الدعم النقدي في الوقت الراهن قد يحمل مخاطر اجتماعية وتضخمية، بينما يمثل نموذج الدعم الذكي الموجه فرصة حقيقية لتحقيق التوازن بين كفاءة الإنفاق العام وحماية الأمن.











0 تعليق