كشفت مجلة فورين أفيرز الأمريكية في تقرير تحليلي جديد أن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تمر بما وصفته بـ"جمود استراتيجي هش"، رغم الخطاب الرسمي في واشنطن وبكين الذي يتحدث عن استقرار استراتيجي بناء.
وبحسب التقرير، فإن هذا الاستقرار الظاهري يخفي حالة من التنافس المتجمد الذي لا يحقق فيه أي طرف اختراقًا حقيقيًا، بينما يستهلك الوقت والموارد ويعيد تشكيل موازين القوة العالمية بهدوء.
قالت المجلة إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية تتعامل مع الصين من منطلق أقرب إلى التهدئة التجارية منه إلى المنافسة الاستراتيجية، حيث طغت الملفات الاقتصادية على حساب الأمنية، في وقت ترى فيه بكين أن هذا الجمود يمثل مكسبًا استراتيجيًا يسمح لها بإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها الداخلية دون ضغط أمريكي مباشر.
وأضافت أن الصين تتبع استراتيجية تقوم على شراء الوقت وتخفيف الضغوط الأمريكية بأقل تكلفة ممكنة، مع تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية والعسكرية استعدادًا لجولة جديدة من التنافس.
اتفاقات تجارية محدودة
وأشارت إلى أن لقاءات القمة بين ترامب والرئيس الصيني شي جينبينج، وما رافقها من اتفاقات تجارية محدودة وبروتوكولات احتفالية، تعكس رغبة صينية في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار دون تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة.
وأوضحت "فورين أفيرز" أن واشنطن، رغم إدراكها لمخاطر الصعود الصيني، تبدو منشغلة بأزمات أخرى، خصوصًا في الشرق الأوسط، وهو ما أعاد إنتاج نمط تاريخي من تشتيت الانتباه الاستراتيجي الذي يعطل التحول الكامل نحو آسيا. ولفتت المجلة إلى أن هذا الانشغال لا يقتصر على إدارة ترامب الحالية، بل امتداد لسياسات إدارات أمريكية سابقة منذ باراك أوباما وجو بايدن، حيث بقيت فكرة التحول نحو آسيا غير مكتملة بسبب التورط المتكرر في أزمات الشرق الأوسط.
وأضاف التقرير أن هذا التشتت أدى إلى استنزاف الموارد العسكرية والمالية الأمريكية، في وقت تتراجع فيه القدرة الإنتاجية للمؤسسة العسكرية الأمريكية مقارنة بما يتطلبه أي صراع محتمل في المحيط الهادئ. وأشارت المجلة إلى أن استمرار هذا النهج يضعف الموقف الأمريكي تدريجيًا أمام الصين، التي تركز جهودها بشكل شبه كامل على التنافس مع واشنطن.
ولفتت فورين أفيرز إلى أن بكين تستفيد من موقعها كـ"القوة الثانية عالميًا"، ما يمنحها ميزة تنظيمية في السياسة الخارجية، إذ لا تتحمل التزامات عالمية واسعة مثل الولايات المتحدة، بل تركز على مسار واحد واضح يتمثل في تقليص الفجوة مع واشنطن، خصوصًا في مجال تايوان وبحر الصين الجنوبي والتكنولوجيا المتقدمة.
وقالت المجلة إن الجيش الصيني حقق تقدمًا كبيرًا في قدراته خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في مجالات الصواريخ والقوة البحرية، بينما لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق محدود في مجالات معينة مثل الحرب تحت سطح البحر. وأشارت إلى أن هذا التحول يغير تدريجيًا ميزان القوى في منطقة المحيط الهادئ.
وفي المقابل، أوضح التقرير أن الصين لا تتدخل بشكل واسع في الأزمات العالمية مثل الحرب في أوكرانيا أو التوترات في الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها ما وصفته المجلة بـ"ترف التفرغ الاستراتيجي"، حيث يمكنها تجنب استنزاف القوة والتركيز على أولوياتها المباشرة.
وأضافت "فورين أفيرز" أن بكين تعتمد أيضًا على استراتيجية الدورة المزدوجة، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وزيادة اعتماد العالم على الصين في الوقت نفسه، خصوصًا في مجالات سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والمواد الخام النادرة. ولفتت إلى أن هذه السياسة بدأت تؤتي ثمارها مع توسع النفوذ الصيني في الصناعات المتقدمة مثل السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة.
زيادة الفائض الصيني
وأشارت المجلة إلى أن التباطؤ الاقتصادي داخل الصين، بما في ذلك أزمة العقارات وضعف الاستهلاك الداخلي، لم يحد من طموحاتها العالمية، بل دفعها إلى تعزيز نموذج اقتصادي قائم على التصنيع والتصدير والتكنولوجيا المتقدمة، حتى وإن جاء ذلك على حساب رفاهية المستهلك الصيني.
وقالت إن هذا التوجه أدى إلى زيادة الفائض التجاري الصيني عالميًا إلى مستويات غير مسبوقة، ما يثير مخاوف متزايدة في أوروبا ودول أخرى من صدمة صينية جديدة قد تدفع إلى إجراءات حمائية أوسع في المستقبل.
ولفتت فورين أفيرز إلى أن الصين تراهن بقوة على قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، معتبرة أن هذه المجالات قد تشكل مصادر نمو بديلة في المستقبل وتمنحها تفوقًا تنافسيًا طويل الأمد.
في المقابل، انتقد التقرير السياسة الاقتصادية الأمريكية الحالية، معتبرًا أنها لا توفر قاعدة صلبة لمنافسة طويلة الأمد مع الصين، خاصة في ظل ارتفاع الدين العام وتراجع القدرة على تمويل الإنفاق الدفاعي والاستثماري المطلوب لمواجهة صعود بكين.
وأضافت المجلة أن السياسات التجارية الأمريكية الأخيرة، رغم أنها خفضت الواردات من الصين، لم تحقق مكاسب استراتيجية واضحة، بل ساهمت في تعزيز اعتماد الصين على تطوير سلاسل إمداد بديلة وتقليل نقاط ضعفها أمام الضغوط الغربية.
وأوضحت "فورين أفيرز" أن هذا الجمود الاستراتيجي قد لا يستمر طويلًا، لأن الصين تعمل وفق خطط طويلة المدى واضحة، بينما تتسم السياسة الأمريكية بالتذبذب والتشتت بين أولويات متعددة، ما قد يمنح بكين أفضلية تدريجية في سباق القوة العالمي.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها في المستقبل أمام منافس أكثر قوة وتنظيمًا، إذا استمر هذا الفراغ الاستراتيجي، خاصة مع استمرار الصين في تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية والعسكرية، وتثبيت موقعها كقوة عالمية لا يمكن تجاهلها في أي نظام دولي قادم.

















0 تعليق