شهدت قاعة الموسيقى التابعة للإدارة المركزية لـ دار الكتب والوثائق القومية، إقبالًا جماهيريًا غفيرًا ونوعيًا منقطع النظير، حيث غصت القاعة بعشاق الطرب الأصيل والنخب الثقافية، وذلك خلال الاحتفالية الثقافية الكبرى التي أقيمت للاحتفاء بمرور 60 عامًا على إطلاق رائعة "الأطلال" الخالدة، وأدارتها الشاعرة نجلاء أحمد حسن.

تفاصيل الاحتفالية
وافتتحت الاحتفالية رشا أحمد، مديرة قاعة الموسيقى، بكلمة ترحيبية أكدت فيها أن ندوة "الأطلال" تحمل عطر التاريخ وسحر النغم، محتفية بمرور ستة عقود على اللقاء العبقري الذي جمع بين كلمات الشاعر إبراهيم ناجي، وعبقرية ألحان الموسيقار رياض السنباطي، والأداء الأسطوري لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم.
وأشارت إلى أن "الأطلال" ليست مجرد أغنية بل حالة شعورية عابرة للأجيال لا يموت أثرها، بل يزداد جمالًا وقيمة مع مرور السنين، داعية الحضور لامتزاج الكلمة بالنغم واسترجاع صفحات هذا التاريخ المشرف برفقة نخبة من المبدعين والموسيقيين المتواجدين بالحدث.

وفي إطار القراءات النقدية، قدم الشاعر أحمد سويلم، تحليلًا تناول فيه تمكن أم كلثوم اللغوي الفريد المستمد من حفظها للقرآن وإلمامها بالشعر العربي، مما أحدث زلزالًا ارتقى بالذوق الفني والغنائي.
وأوضح "سويلم" أن كوكب الشرق تعاملت مع قصائد الفصحى على مستويين تراثي ومعاصر، مستعرضًا تجارب غنائها لمعاصرين في حياتهم أو بعد رحيلهم، ومنها غناؤها لناجي بعد وفاته بثلاثة عشر عامًا، مع قيامها بدور مزدوج ذكي في انتقاء وتبديل بعض كلمات "الأطلال" لتلائم نبضها الفني كاستبدال لفظة "نبل" بـ "عز".
كما ركز "سويلم" في المحور الثاني من قراءته على العبقرية العروضية المشتركة التي جمعت أم كلثوم بالملحن رياض السنباطي، وكيفية تطويع بحر الرمل وتفاعيله بسلاسة دون نشاز لحني، كما حدث في مقطع “هل رأى الحب سكارى مثلنا”.
وأشار إلى تجلي هذا التناغم الإيقاعي والأدائي في تصرف أم كلثوم بالبناء الدرامي وترتيب المقاطع الصوتية والأبيات وتغيير مواضعها في الأداء الفعلي، خاصة عند الانتقال والجمع والوفاق اللحني بين الكلمات في مواضع مثل "معصمي" و"لدي".

ومن جانبه، شارك الشاعر أحمد فضل شبلول بورقة نقدية هامة، حيث أكد فيها أن قصيدة "الأطلال"، والتي غنتها أم كلثوم لأول مرة عام 1966، تمثل صرحًا إنسانيًا وجملة فنية ذروية للقصيدة العربية؛ فهي تتجاوز رثاء قصة حب لتصبح بيانًا إنسانيًا عن الفقد والحرية والزمن.
وأوضح شبلول أن القصيدة تعتمد بنيويًا على "الدراما المتصاعدة"، إذ تبدأ بمقدمة طللية كلاسيكية عبر كليشيه (يا فؤادي لا تسل أين الهوى)، ثم تنتقل بسلاسة إلى الوصف، وصولًا إلى ذروتها الفنية في مقطع (أعطني حريتي)، لتنتهي بالخمود الفلسفي والتسليم القدري في خاتمتها (يا حبيبي.. كل شيء بقضاء).
وأضاف شبلول، أن النص اعتمد عروضيًا على بحر الرمل وتفاعيله وجاءت لغته مزيجًا مبهرًا بين الفصحى الجزلة والصور الرومانسية المعبرة عن النهج الابتداعي الرومانسي لمدرسة أبولو، وأشاد باختيار السنباطي لمقام "الهُزام" (المتفرع من السيكاه) الذي منح البناء الهيكلي صبغة الحزن الشجي والوقار في آن واحد، مشيرًا إلى أن القصيدة تطرح تساؤلات وجودية حول جدوى الذاكرة وهشاشة الوجود الإنساني التي تعكسها جملة (كان صرحًا من خيال فهوى)، حيث يتحول الحب والصروح إلى "عدم" أو أثر، لتختتم برؤية فلسفية قدرية تمزج بين الصوفية واليأس الوجودي أمام أقدار العاطفة.

وإثراءً للمحتوى التاريخي والتوثيقي للاحتفالية، ألقى الشاعرجابر البسيوني كلمة موجزة ومكثفة، لخصت الملامح السيرية والرواد لـ "الشاعر الطبيب" إبراهيم ناجي، واصفًا إياه بأنه أحد أهم شعراء الرومانسية في الشعر العربي وأحد رواد جماعة أبولو الشهيرة التي أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي.
واستعرض البسيوني محطات نشأته التاريخية؛ لافتًا إلى أن ناجي ولد في حي شبرا بالقاهرة مساء يوم 31 ديسمبر 1898، وتوفي في 27 مارس 1953، وكان قد التحق بمدرسة الطب وتخرج فيها عام 1923 م، وتتلمذ في مجال الطب على يد الدكتور علي إبراهيم.
وانتقل البسيوني لتحليل السمات الفنية والموضوعية لقصائده، موضحًا أن شعر إبراهيم ناجي يتميز بقدرة فائقة على تصوير مشاعر الذات الملتحمة بالكائنات والمدركات، وقد تنوعت قصائده بين المنحى الذاتي والجماعي، فضلًا عن كونه كتب في عشرة بحور شعرية كاملة.

واختتم البسيوني بالإشارة إلى التميز والخصوصية التاريخية التي أحاطت بـ "الأطلال"، حيث تعددت الأقوال والآراء النقدية حول "الفتاة الملهمة" له في هذه القصيدة ولم تتحدد بشكل قاطع، مؤكدًا في الوقت ذاته أن ناجي يبقى دائمًا في الذاكرة الأدبية كشاعر عبقري عبّر بالصورة الفنية عن أرفع مشاعر الذات الإنسانية.
وشهدت الاحتفالية أيضًا مشاركة نقدية وموسيقية مميزة من الدكتور عبد الحميد يحيى، الذي أعرب عن سعادته بالمشاركة في ندوة ستينية "الأطلال" لكوكب الشرق أم كلثوم، من تأليف الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي وتلحين الموسيقار المبدع رياض السنباطي.
وقدم الدكتور يحيى شرحًا وتحليلًا وافيًا للبناء اللحني الكامل وتوظيف المقامات الموسيقية عبر مراحل القصيدة الثلاث؛ بدءًا من المقدمة، مرورًا بالمتن، وصولًا إلى الختام، موضحًا كيف استطاع الملحن بعبقرية فذة أن يصوّر القصيدة للمستمع كبناء درامي متكامل يبدأ بقصة وينتهي بختام ممهد.

وأشار الدكتور عبد الحميد يحيى في الفقرة الثانية من رؤيته، إلى طبيعة القصيدة وكيفية وصولها بسلاسة وعمق إلى وجدان المتلقي العربي رغم صعوبة كلماتها وتنوع تسلسها الدرامي، مشيدًا بما أفاض به السادة الشعراء والأدباء خلال الندوة من معلومات قيمّة ومثمرة.
وفي ختام كلمته، ركز يحيى على آليات تجسيد هذا البناء الدرامي واللحني وتصويره للمستمع من خلال لغة الجسد، صوتًا وأداءً وحركة، بما يتيح للمتلقي رسم الصورة الذهنية الكاملة وتخيّل ملامح هذا الصرح الفني الخالد وتذوق أبعاده الإبداعية.


















0 تعليق