شاءت الأقدار، مع غروب شمس الثلاثاء الماضي، أن تقودني خطواتي إلى رحاب مسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها وأرضاها، ذلك المكان الذي لا يدخله المرء إلا ويشعر بأن روحه قد انتقلت إلى عالم آخر من الطمأنينة والسكينة، فبين جدرانه العتيقة، وتحت ظلال نفحاته الإيمانية، يجد القلب راحته ويستعيد الإنسان شيئًا من صفائه الذي تسرقه ضوضاء الحياة اليومية.
وعقب أداء صلاة المغرب، آثرت الجلوس لبعض الوقت أستمتع بأجواء المكان وروحانيته الخاصة، فلفت انتباهي عدد من التجهيزات الخاصة بتنظيم ندوة دينية، دفعتني الرغبة في الاستماع والاستفادة إلى البقاء، لتبدأ أمسية علمية وإيمانية جاءت ضمن فعاليات مبادرة وزارة الأوقاف «صحح مفاهيمك».
وتناول الأستاذ بجامعة الأزهر الدكتور محمد عبد الله قضية «صلة الأرحام»، في طرح اتسم بالعمق والبساطة معًا، حيث نجح في الربط بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر، مؤكدًا أن الأسرة المتماسكة تظل حجر الأساس في بناء مجتمع قوي ومستقر، وأن صلة الرحم ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل ضرورة اجتماعية تحفظ تماسك المجتمع وتدعم استقراره.
«صحح مفاهيمك».. وعي يصل إلى الناس
لم تكن هذه المرة الأولى التي أحضر فيها إحدى فعاليات المبادرة، وفي كل مرة يترسخ لدي يقين بأنها ليست مجرد عنوان أو شعار، بل مشروع وطني جاد يسعى إلى ترسيخ الوعي وتصحيح الأفكار المغلوطة ومواجهة المفاهيم التي تهدد استقرار المجتمع.
ويكمن تميز المبادرة في قدرتها على الوصول إلى المواطنين أينما كانوا، دون انتظار أن يبحثوا عنها. فقد نجحت وزارة الأوقاف في توظيف مختلف الوسائل والمنصات، من المساجد والمراكز الثقافية إلى الفضاء الرقمي، لتقديم خطاب ديني وفكري مستنير يلامس الواقع ويجيب عن تساؤلات الناس بلغة عصرية واعية.
تسهم المبادرة في بناء مجتمع أكثر إدراكًا للتحديات التي تواجهه، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الفكر الرشيد والدعوات الهدامة.
وأنا أغادر رحاب «ستنا نفيسة»، استوقفتني فكرة بالغة الأهمية، وهى أن صناعة الوعي ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأفراد، فالوعي الحقيقي يبدأ من استعداد الإنسان للاستماع والتعلم، ثم نقل ما يكتسبه من قيم ومعارف إلى أسرته ومحيطه ومجتمعه.
فلا يمكن لأي أمة أن تحقق نهضتها المنشودة، ولا لأي خطة تنموية أن تبلغ أهدافها، ما لم تستند إلى قاعدة راسخة من الوعي المجتمعي، فالوعي ليس رفاهية فكرية، بل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات، وأحد أهم أدوات بناء الإنسان القادر على الفهم والتمييز واتخاذ القرار الصحيح.
















0 تعليق