في العقود الأخيرة، كانت منطقة جنوب شرق آسيا الأكثر حيوية على مستوى العالم، فقد حققت أفضل معدلات النمو الاقتصادي. وضمن هذه المنطقة، كانت أكبر ست دول في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان-6)، والتي تضم إندونيسيا وتايلاند وسنغافورة وماليزيا وفيتنام والفلبين، من بين أسرع الاقتصادات نمواً، حيث وصلت سنغافورة بالفعل إلى مرتبة اقتصاد متقدم.
وعلى الرغم من التحديات التي تكتنف البيئة العالمية، بدأت الاقتصادات الستة الكبرى في رابطة آسيان عام 2026 بأداء قوي. فقد سجلت دول آسيان-6 نمواً قوياً في عام 2025، متجاوزة التوقعات رغم التحولات الصعبة في سياسات التجارة العالمية. كان الأداء القوي لاقتصادات آسيان-6 واسع النطاق، حيث سجلت فيتنام نمواً استثنائياً بلغ 8% في عام 2025، وهو ثاني أعلى معدل نمو سنوي تحققه منذ عام 2011، وكان ذلك مدفوعاً بقوة التصنيع والسياحة والصادرات وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. كما نما اقتصاد إندونيسيا بنسبة 5.1%، مدعوماً بمرونة الطلب المحلي. وحققت ماليزيا نمواً بنسبة 5.2% بدعم من الاستثمارات الرقمية الكبيرة والزخم القوي لقطاع الصادرات. واستفادت سنغافورة من الاستثمارات العالمية في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومن زيادة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية. وحافظت الفلبين على نمو قوي، في حين تواجه تايلاند تحديات هيكلية، من بينها ارتفاع مديونية الأسر.

ظل التضخم منخفضاً في اقتصادات آسيان-6 خلال عام 2025، فقد بقي دون المتوسط طويل الأجل للمنطقة بفارق ملحوظ، مما حافظ على حيز ملموس للسياسات النقدية والمالية. كما شهدت المنطقة تحولاً نحو الطلب داخل الإقليم. وأسهمت التدفقات القوية للاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاعات الإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية والخدمات الرقمية في الحد بشكل ملموس من تعرض المنطقة للصدمات الخارجية. ويوفر ذلك أساساً متيناً في وقت تواجه فيه المنطقة مجموعة أكثر صعوبة من الرياح المعاكسة العالمية.
ويري التقرير الأسبوعي لقسم الاقتصاد ببنك قطر الوطني QNB أن التحدي الأكثر إلحاحاً يتمثل في صدمة الطاقة الناجمة عن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي تمر عبره عادةً نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وحوالي 85% من إجمالي إمدادات الطاقة في آسيا. وتؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى زيادة تكاليف الإنتاج وأسعار المستهلك في مختلف أنحاء المنطقة، بما يرفع معدلات التضخم.
يتمثل العائق الثاني في السياسة التجارية الأمريكية. فقد قلصت المنطقة بشكل هيكلي اعتمادها المباشر على الصادرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انخفضت الصادرات ذات القيمة المضافة المتجهة إلى الولايات المتحدة من حوالي الثلث إلى نحو 20% من إجمالي الصادرات، بل واستفادت من تحول مسارات التجارة مع انتقال سلاسل التوريد خارج الصين. ومع ذلك، أضافت التحقيقات الأمريكية في الطاقة الإنتاجية الصناعية الفائضة لدى الشركاء التجاريين، بما في ذلك إندونيسيا وماليزيا وتايلاند وفيتنام، مزيداً من عدم اليقين. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على فيتنام وماليزيا، اللتين يُنظر إليهما كنقاط عبور محتملة للصادرات الصينية.
أما العائق الثالث وفقا لتقرير QNB فيتمثل في تباطؤ الطلب الصيني، الذي يُعد سوقاً بالغ الأهمية لجزء كبير من الإنتاج الصناعي لرابطة آسيان. وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، نلاحظ اعتدالاً واسع النطاق في النمو، حيث يتباطأ نمو اقتصادات جنوب شرق آسيا إلى 4.2% في عام 2026، بانخفاض عن 5.0% في عام 2025.

على الرغم من هذا التباطؤ، فإن توقعات النمو تتباين بشكل كبير بين الدول نظراً للاختلافات في الهياكل الاقتصادية، والطلب المحلي، والاعتماد على استيراد الطاقة، والتعرض للصدمات التجارية الخارجية. وتبرز فيتنام وإندونيسيا كأكثر الدول مرونة في الأداء. من المتوقع أن ينمو اقتصاد فيتنام بنسبة تقارب 7% في عام 2026، مدعوماً بتدفقات قوية للاستثمار الأجنبي المباشر، وقطاع التصنيع، والاستهلاك المحلي القوي. أما إندونيسيا، فمن المتوقع أن ينمو اقتصادها بنسبة 4.9%، مدعوماً بالطلب المحلي القوي والتحفيزات المالية. وتحافظ ماليزيا على نسبة نمو تبلغ 4.7%، مدعومة باستثمارات رقمية كبيرة وموقع استراتيجي في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية. وتواصل سنغافورة، بفضل إطارها المؤسسي المتقدم والاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، جذب تدفقات رأسمالية عالية القيمة.
في المقابل، تواجه تايلاند أكثر الآفاق صعوبة، حيث من المتوقع أن يبلغ نموها حوالي 1.5% في عام 2026. ويُعد مستوى ديون الأسر فيها الأعلى بين دول آسيان، مما يقلل من الإنفاق الاستهلاكي في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الطاقة. وتواجه الفلبين ضغوطاً تضخمية حادة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وتعديلات أسعار الكهرباء، وتكاليف النقل، مما يُبقي النمو منخفضاً، ولكنه يُتوقع أن يبلغ 4.1%.
بالنظر إلى المستقبل، يري QNB أن اقتصادات رابطة آسيان-6 تواصل نموها بمعدلات تفوق المتوسط العالمي بكثير، مدعومة بتركيبة سكانية شابة، وارتفاع الاستهلاك المحلي، وتعميق التكامل الإقليمي، وتسارع دورة الاستثمار في التكنولوجيا والقدرات الرقمية. وتكمن أكبر المخاطر التي تهدد هذه التوقعات في استمرار الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني لفترة طويلة، والذي سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة بشكل دائم، وتآكل ثقة المستهلكين، وتعطيل سلاسل التوريد التي تشكل أساس القاعدة الصناعية لدول رابطة آسيان. ومع ذلك، تظل الأسس الاقتصادية لدول آسيان في عام 2026 قوية نسبياً في بيئة عالمية مليئة بالتحديات.












0 تعليق