الاستثمار فى الإنسان

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تمثل الموازنة العامة للدولة أكثر من مجرد أرقام حسابية أو جداول للإيرادات والمصروفات، فهى فى جوهرها انعكاس للرؤية السياسية والاجتماعية التى تتبناها الدولة، وتعبير عملى عن ترتيب أولوياتها الوطنية. وفى ظل التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية، يأتى توجه الدولة المصرية نحو زيادة مخصصات قطاعى الصحة والتعليم فى الموازنة العامة الجديدة كرسالة بالغة الأهمية، تؤكد أن الاستثمار فى الإنسان هو الركيزة الأساسية لأى مسار تنموى مستدام، وأن المراهنة على رأس المال البشرى الرهان الأكثر ربحًا على المدى الطويل، فالدول لا تقاس بقوة مرافقها فحسب، بل بجودة حياة مواطنيها وكفاءة كوادرها. وزيادة المخصصات المالية لقطاعى الصحة والتعليم ليست مجرد استجابة لاستحقاقات دستورية ملزمة، بل ضرورة استراتيجية تهدف إلى معالجة الفجوات التاريخية التى عانت منها هذه القطاعات لعقود طويلة قبل ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وتمهيد الطريق نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والمهارة.

وتتجه الموازنة الجديدة نحو دعم استكمال منظومة التأمين الصحى الشامل، وهو المشروع القومى الأضخم الذى يهدف إلى توفير تغطية صحية عادلة وشاملة لجميع المصريين، وأن الزيادة فى المخصصات الموجهة للصحة تأتى لتلبى عدة احتياجات ملحة، على رأسها تحديث المرافق الصحية وتزويدها بأحدث الأجهزة الطبية، ما يقلل من الفجوة فى مستوى الخدمة بين المحافظات، وهذه الزيادة لاستدامة المبادرات التى نجحت فى الكشف المبكر عن الأمراض وعلاجها مثل مبادرة «١٠٠ مليون صحة»، وهى تتطلب تمويلًا مستمرًا وفعالًا، ويمثل العنصر البشرى عصب العملية الصحية، لذلك فإن توجيه جزء من الموازنة لتحسين دخول الأطقم الطبية وتوفير التدريب المستمر لهم السبيل الوحيد للحفاظ على الكفاءات وتقليل ظاهرة هجرة الأطباء.

فى المقابل يواجه قطاع التعليم تحديات كثيرة تتطلب توازنًا بين التوسع الكمى والارتقاء النوعى، والزيادة فى مخصصات التعليم فى الموازنة الجديدة تركز على تطوير المناهج والتحول الرقمى، ولم يعد التعليم التقليدى كافيًا لمواكبة متطلبات سوق العمل العالمية. لذلك يأتى الإنفاق على الوسائط التكنولوجية وتطوير المناهج لتعزيز التفكير النقدى والمهارات الرقمية كأولوية قصوى.

وتظل الكثافة الطلابية تحديًا يواجه العملية التعليمية، وتعمل الموازنة على دعم التوسع فى بناء المدارس الجديدة لتوفير بيئة تعلم صحية ومحفزة. كما أن هناك توجهًا متزايدًا نحو تعزيز التعليم الفنى والمدارس التكنولوجية التطبيقية، وهى الخطوة التى تهدف إلى تخريج جيل من الفنيين المهرة القادرين على قيادة قطاعات الصناعة والإنتاج، ما يقلل من معدلات البطالة ويخدم خطط التصنيع الوطنية. ورغم أهمية زيادة المخصصات المالية، فإن القيمة الحقيقية لهذه الأموال تكمن فى كفاءة الإنفاق، وإن زيادة الميزانيات وحدها لا تكفى ما لم تقترن بآليات رقابية صارمة تضمن وصول الدعم لمستحقيه، وتمنع الهدر الإدارى أو الفساد، ويتطلب النجاح فى تنفيذ هذه الخطط، ضرورة التحول نحو الموازنة البرامجية التى تربط المخصصات المالية بمؤشرات أداء واضحة ومحددة زمنيًا، حيث يتم تقييم العائد على الاستثمار فى كل جنيه ينفق، ويجب تشجيع الاستثمار الخاص فى قطاعى الصحة والتعليم، تحت رقابة الدولة، ويمكن أن يخفف العبء عن الموازنة العامة ويسهم فى رفع جودة الخدمة من خلال التنافسية.

ولا بد من إشراك المجتمع فى معرفة كيفية إنفاق هذه المخصصات، ما يعزز ثقة المواطن فى مسار الإصلاح ويخلق بيئة من المتابعة المجتمعية الإيجابية. إن زيادة مخصصات الصحة والتعليم ليست ترفًا ماليًا، بل قرار شجاع بالاستثمار فى الثروة الحقيقية لمصر والمتمثل فى شبابها، وإننا أمام فرصة حقيقية لإحداث نقلة نوعية فى حياة المواطن المصرى، بشرط أن تدار هذه المخصصات بفكر إدارى حديث، وبإرادة قوية تضع جودة الخدمة فوق أى اعتبار آخر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق