رغم أن التحدث مع النفس بصوت مرتفع قد يثير استغراب البعض، إلا أن الخبراء يرون أنه من الوسائل الفعالة التي تساعد الدماغ على تنظيم الأفكار والتعامل مع المشاعر، بعيداً عن الصورة النمطية التي تربطه بالوحدة أو التوتر.
ويُعد هذا السلوك جزءاً طبيعياً من آليات التفكير لدى الإنسان، إذ يبدأ منذ الطفولة عندما يعبر الأطفال عن أفكارهم بصوت مسموع، ثم يتحول تدريجياً إلى حديث داخلي مع التقدم في العمر، مع بقاء النطق بالأفكار أداة يلجأ إليها الدماغ في المواقف التي تتطلب تركيزاً أو معالجة ذهنية أكبر.
وتشير الأبحاث إلى أن التعبير عن المشاعر بالكلمات يساعد على فهمها وإدارتها بصورة أفضل، فحين يصف الشخص ما يشعر به بصوت واضح، ينتقل الإحساس من مجرد استجابة جسدية إلى فكرة يمكن تحليلها والتعامل معها بشكل أكثر هدوءاً ووضوحاً.
كما أظهرت دراسات في مجال التصوير العصبي أن استخدام الشخص لاسمه أثناء مخاطبة نفسه، بدلاً من تكرار ضمير المتكلم، قد يساهم في خلق مسافة نفسية تقلل من حدة التوتر والانفعال، ما يدعم القدرة على تنظيم المشاعر واتخاذ قرارات أكثر توازناً.
ويرى الباحثون أن بعض الأفكار تظل عالقة داخل دائرة التفكير حتى يتم التعبير عنها لفظياً، إذ يساعد الحديث بصوت عالٍ على ترتيب المعلومات واكتشاف حلول قد لا تظهر أثناء التفكير الصامت.
ويبرز هذا الأمر بشكل خاص عند الاستعداد لمحادثة مهمة أو أثناء اتخاذ قرار مصيري، حيث يساهم التحدث مع النفس في توضيح الرؤية وفهم الموقف بصورة أفضل، حتى في غياب أي مستمع.
وكشفت دراسة منشورة في دورية "Scientific Reports" أن الأشخاص يميلون إلى استخدام هذه الطريقة بشكل أكبر خلال المواقف المرهقة أو المثيرة للقلق، وقد يرتبط ذلك بتحسن الأداء والشعور براحة نفسية بعد الانتهاء منها.
ويفرق الخبراء بين نوعين من الحديث مع النفس؛ أحدهما إيجابي وبنّاء يساعد على فهم المشاعر وتحديد الأهداف واتخاذ القرارات، بينما يتسم الآخر بالسلبية وتكرار الأفكار نفسها دون الوصول إلى نتائج أو حلول.
وتكمن الفروق الأساسية بينهما في أسلوب الخطاب، إذ يرتبط الحديث البنّاء غالباً باستخدام الاسم الشخصي أو ضمير المخاطب، في حين يعتمد الحديث السلبي على اجترار الأفكار من خلال ضمير المتكلم بصورة متكررة.















0 تعليق