فرج فودة أستاذ الليبرالية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

يرحم الله أستاذى العظيم فرج فودة، الذى حلت ذكرى استشهاده يوم ٨ يونيو ١٩٩٢، وقد ربطتنى بهذا الرجل المفكر الليبرالى الكبير علاقة قوية فى مطلع شبابى لسببين، الأول أنه ابن مدينتى الزرقا بمحافظة دمياط، بل وهناك صلة قرابة أيضًا، والثانى أنه من قدمنى إلى الزعيم الراحل فؤاد سراج الدين وأستاذى الراحل العظيم مصطفى شردى للعمل صحفيًا بجريدة الوفد فى أبريل عام ١٩٨٦. 

ويظل اسم فرج فودة محفورًا فى ذاكرة الفكر السياسى المصرى والعربى كأحد أبرز المدافعين عن الليبرالية، والدولة المدنية الحديثة. لم يكن فودة مجرد كاتب أو سياسى أو أستاذ أكاديمى، بل كان مشروعًا تنويريًا متكاملًا، تجرأ على اقتحام أكثر المناطق حساسية فى الثقافة العربية، حاملًا مشعل العقل فى وجه تيارات التشدد والانغلاق وجماعات التطرف، فقد كان يرى أن تخلف المجتمعات مرتبط بشكل وثيق بغياب المنهج العلمى وتراجع الدور العقلانى فى إدارة شئون الدولة والمجتمع.

كان فرج فودة مؤمنًا إيمانًا مطلقًا بأن العقل هو المرجعية العليا للإنسان. فى كتاباته ومناظراته، لم يكن يسعى لصدام مع الدين كقيم روحية، بل كان فى صراع دائم مع تسييس الدين واستخدامه كأداة للهيمنة على المجال العام، وكان يرى أن الدولة المدنية ليست دولة ملحدة، كما زعم وحاول المتطرفون تصويرها، بل هى الدولة التى تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، بغض النظر عن انتمائهم الدينى أو المذهبى.

والدولة المدنية عند فودة هى الدولة التى تضمن حقوق المواطنة، وتفصل بين المقدس كقيمة فردية والسياسى كإدارة عامة لشئون المجتمع. وسيظل التاريخ يحفظ لـ«فودة» تلك المناظرة العظيمة والشهيرة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب عام ١٩٩٢، حيث واجه رموز التطرف والجماعات المتشددة. لم يكتفِ فودة حينها بالدفاع عن أفكاره، بل هاجم بضراوة منطق الجماعة المتطرفة ورموزها، الذين أرادوا حصر المجتمع فى قوالب جامدة لا تتناسب مع روح العصر.

كان سلاحه فى هذه المعارك هو الوثيقة والتاريخ، وكان يغوص فى التراثين العربى والإسلامى ليستخرج منهما ما يؤيد الرؤية التنويرية متحديًا خصومه الذين اختزلوا التاريخ فى مفاهيم انتقائية تخدم أغراضهم السياسية. كان يجادل بأن الإسلام كدين يتسع للشورى، والاجتهاد، والتعددية، وأن دولة الخلافة المزعومة التى ينادى بها المتطرفون هى وهم تاريخى لا يصلح لإدارة تعقيدات الدولة الحديثة، وكما يثبت التاريخ دائمًا فإن الأفكار لا تموت بالرصاص، لقد تحول فرج فودة بعد رحيله إلى أيقونة تلهم أجيالًا جديدة من الباحثين والمفكرين الذين يسيرون على دربه، مطالبين بضرورة الحفاظ على مدنية الدولة وضمان حرية التفكير. 

لقد رحل فرج فودة جسدًا، لكنه ترك خلفه تركة فكرية غنية، تطرح تساؤلات لم تجد إجابات كاملة بعد. لقد كان صوتًا جريئًا فى زمن الصمت، وعقلًا متوقدًا فى زمن التغييب.

إن تكريم ذكرى فودة ليس بالوقوف عند أفكاره كمسلمات، بل بإعادة إحياء روح النقد التى عاش ومات من أجلها، وستظل مقالاته وتاريخه، وشجاعته فى مواجهة المتطرفين، منارة لكل من يؤمن بأن الدولة المدنية هى الحصن الأخير الذى يحمى المجتمعات من الانزلاق فى متاهات التعصب، وسيظل فرج فودة أستاذًا لليبرالية، ليس لأنه امتلك الحقيقة المطلقة، بل لأنه علمنا كيف نبحث عنها فى دروب العقل والحرية. 

وبهذه المناسبة سعدت جدًا بالملف الرائع عن فرج فودة الذى تم نشره فى «حرف» الإصدار الثقافى العظيم لمؤسسة «الدستور» بقيادة الأخ والصديق العزيز الدكتور محمد الباز. وكذلك سعدت بتنظيم ندوة بـ«الدستور»، مساء اليوم السبت، حول المشروع التنويرى لهذا العلّامة الراحل.

رحم الله فرج فودة الذى علمنى حرية النقد والتعبير.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق