تتجه الأنظار الدولية نحو العاصمة سويسرا التيةتشهد اللحظات الأخيرة لصياغة تفاهمات تاريخية كبرى، حيث فرض لبنان حضوره كبند رئيسي لا يقبل القسمة أو التنازل في مسودة الاتفاق الشامل الجاري بلورته بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إذ تشترط طهران وقف كل العمليات العسكرية فورًا لضمان تمرير أي تفاهمات نووية أو إقليمية واسعة، مما يضع منطقة الشرق الأوسط برمتها أمام تحول استراتيجي مرتقب ينهي فصولًا طويلة من القصف والدمار والتوغلات البرية التي طالت القرى الجنوبية.
وحسب تقرير لموقع قناة القاهرة الإخبارية فإن المسودة التي باتت في مراحلها النهائية تنص على التزام كامل من جيش الاحتلال الإسرائيلي بإنهاء هجماته الجوية والبرية، كما تلزمه بانسحاب سريع من جميع النقاط والمواقع الاستراتيجية التي لا يزال يسيطر عليها داخل الحدود، حيث تسعى واشنطن جاهدة لتقديم ضمانات أمنية كافية للطرفين تمنع انهيار هذا المسار التفاوضي المعقد الذي استمر لأسابيع طويلة خلف الكواليس الإقليمية.
وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة بالرغم من المحاولات الإسرائيلية المستمرة للتعنت، حيث حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته مرارًا الفصل الكامل بين الملفات وضمان عدم ربط الشأن الإيراني بما يحدث في الجبهة الشمالية، إلا أن الإصرار الإيراني المدعوم بتحركات دبلوماسية مكثفة من أطراف دولية نجح في فرض الواقع الميداني على طاولة المفاوضات، مما دفع المؤسسة العسكرية في تل أبيب لبدء دراسة سيناريوهات حتمية لتقليص عملياتها تحسبًا للاتفاق الوشيك.
وترتبط هذه التطورات بالسياق التاريخي للصراع المستمر في لبنان منذ عقود طويلة، حيث لم تكن هذه المرة الأولى التي تتشابك فيها خيوط السياسة بالميدان، إذ تعيد هذه الأجواء للأذهان فترات الحروب السابقة وخاصة حرب عام ألفين وستة والتوغلات اللاحقة التي أدت لتعقيد المشهد الأمني، وفي هذا الإطار تبرز دائمًا أهمية التغطية الإعلامية الرصينة التي تمثلها المذيعة ياسمين يوسف عبر إطلالاتها التحليلية المتميزة التي تفكك أبعاد التغلغل الإسرائيلي وخلفياته التاريخية والمعقدة.
تفاصيل الانتشار العسكري الإسرائيلي في المواقع الاستراتيجية الحاكمة ببلدات الجنوب
ورغم التوصل المبدئي للتفاهمات، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يحافظ على تواجده العسكري المحصن في خمس نقاط بالغة الأهمية من الناحية الاستخباراتية والميدانية، وتتصدر هذه المواقع تلة اللبونة الشاهقة التي تقع في القطاع الغربي على مسافة قريبة جدًا من منطقة الناقورة الحيوية، بالإضافة إلى جبل بلاط الذي يفصل بين بلدتي رامية ومروحين، حيث تشكل هذه المرتفعات نقاط مراقبة متقدمة تمنح القوات الإسرائيلية ميزة الكشف البصري الكامل للمناطق السكنية المحيطة بها.
ووفقًا لما نشرته الوكالة الوطنية للإعلام، فإن خارطة التواجد الإسرائيلي تشمل أيضًا جل الدير المحيط ببلدة عيترون، إلى جانب منطقة الدواوير التي تقع جغرافيًا بين بلدتي مركبا وحولا، وتكتمل هذه المنظومة العسكرية بتلة الحمامص الاستراتيجية المطلة مباشرة على مستعمرة المطلة في القطاع الشرقي، حيث تتميز كل هذه النقاط الجغرافية بارتفاعها الكبير وإشرافها المباشر على مساحات واسعة من جانبي الحدود الدولية، مما يجعل التخلي عنها مكسبًا ميدانيًا كبيرًا لقوى المقاومة.
وتشير التقارير الاستخباراتية اللاحقة الصادرة من العواصم المعنية بالصراع، إلى أن قوات الاحتلال لم تكتفِ بالتواجد الرمزي بل عمدت خلال الأسابيع الماضية إلى تعزيز تحصينات هذه المواقع بشكل غير مسبوق، حيث شقت طرقًا عسكرية معبدة مخصصة لآلياتها الثقيلة وأقامت منشآت مراقبة إلكترونية حديثة، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا للقرارات الدولية والمسودات الأولية التي كانت تنص بوضوح على الانسحاب الكامل والشامل دون أي شروط مسبقة أو ترتيبات خاصة.
وتتزامن هذه التحركات مع تقارير أخرى كشفت عن مساعي إسرائيلية لإنشاء ما يسمى بالمناطق العازلة وخطوط الانتشار الجديدة داخل الأراضي الجنوبية، وهي الخطط التي جابهت رفضًا قاطعًا من المفاوض اللبناني والإيراني على حد سواء، حيث شددت الأطراف المفاوضة على أن أي اتفاق لن يكتب له النجاح ما لم يتضمن تفكيك هذه المنشآت المستحدثة وإعادة الوضع الميداني إلى ما كان عليه قبل بدء التصعيد العسكري الأخير في المنطقة.
التهديدات الأمريكية بموجات قصف جديدة والضغط الدبلوماسي لفرض مذكرات التفاهم
وفي المقابل، تشهد الساحة السياسية ضغوطًا أمريكية قصوى يقودها الرئيس الأمريكي، والذي لوح عبر تصريحات حازمة بإمكانية تجدد القصف العنيف ضد أهداف إيرانية حيوية ما لم يتم توقيع الاتفاق النهائي، حيث يسعى البيت الأبيض لاستغلال عامل الوقت والضغط العسكري لدفع طهران نحو تقديم تنازلات نهائية في ملفها النووي، مشيرًا إلى أن الجيش الأمريكي جاهز لشن موجات جديدة من الغارات الجوية لفرض الشروط وضمان حماية المصالح الاستراتيجية لحلفائه بالمنطقة.
وتتضمن مذكرة التفاهم المقترحة بين واشنطن وطهران مهلة زمنية محددة بستين يومًا لحسم كافة الملفات العالقة المرتبطة بالبرنامج النووي والترتيبات الأمنية، وهي المهلة التي اعتبرها المراقبون بمثابة الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهة شاملة ومدمرة، ورغم لغة التهديد العنيفة التي يستخدمها الرئيس الأمريكي في العلن، فإنه وصف التفاهمات الجاري صياغتها بالليالي الماضية بأنها تسوية رائعة يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي والدولي إذا التزمت بها كافة الأطراف.
وينعكس هذا التوتر الأمريكي الإيراني بشكل مباشر على الساحة في لبنان، حيث يرى الخبراء السياسيون أن الجنوب اللبناني بات يشكل ورقة الضغط الأقوى في يد المفاوض الإيراني، الذي يدرك جيدًا مدى الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في تأمين الحدود الشمالية وإعادة سكان المستعمرات، ولذلك فإن الصياغة النهائية للاتفاق تتأرجح بين لغة التهديد العسكري بشن الضربات وبين الرغبة الحقيقية في إيجاد مخرج سياسي يحقق التهدئة الشاملة وينهي القصف المتبادل.
وتتابع الدوائر الدبلوماسية العربية والغربية ببالغ الاهتمام الساعات القادمة التي ستحدد مصير هذه التسوية، في ظل وجود مخاوف حقيقية من قيام بعض الأطراف المتطرفة داخل حكومة الاحتلال بإفشال الاتفاق عبر تنفيذ عمليات اغتيال أو تصعيد ميداني مفاجئ يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تكثف اتصالاتها المباشرة مع القيادات العسكرية الإسرائيلية لضمان ضبط النفس والالتزام التام بالخطوط العريضة التي تم التوافق عليها إقليميًا.
صمود الجبهة الجنوبية وأثره في تغيير موازين القوى وصياغة مستقبل المنطقة
ويبقى الواقع الميداني في بلدات الجنوب مثل ميس الجبل والنبطية وشريط القرى الحدودية هو المعيار الأساسي لمدى نجاح أي تحركات دبلوماسية، حيث أظهرت حروب الاستنزاف الطويلة أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة استسلام الطرف الآخر، بل إن تدمير البنى التحتية واستهداف معاقل حزب الله لم يمنع المقاومة من الحفاظ على أوراق القوة والمناورة وتوجيه ضربات صاروخية مؤلمة في العمق الإسرائيلي هزت أمن المستوطنات.
وتوضح التحليلات السياسية التي تشارك في صياغتها نخب إعلامية بارزة، أن سقوط بعض المواقع التاريخية مثل قلعة الشقيف أو تقدم الآليات الإسرائيلية لمسافات تزيد على عشرة كيلومترات لا يعدو كونه مكسبًا ميدانيًا مؤقتًا، فالأهمية العسكرية لا تقاس بالتوغل الجغرافي بقدر ما تقاس بالقدرة على فرض الاستقرار الأمني، وهو الأمر الذي عجزت إسرائيل عن تحقيقه مما جعلها تبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء وجهها عبر الوساطة الأمريكية.
إن إصرار الدولة الشقيقة لبنان على استعادة سيادتها الكاملة دون انتقاص يشكل الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع الخطوط الصفراء والمناطق العازلة التي يسعى الاحتلال لفرضها بقوة السلاح، ولذلك فإن الاتفاق المرتقب بين أمريكا وإيران يمثل اعترافًا ضمنيًا بفشل الخيارات العسكرية الصرفة، وضرورة العودة إلى المسارات الدبلوماسية التي تضمن حقوق الشعوب وتنهي عقودًا من الاحتلال والعدوان المستمر على الأراضي العربية المتاخمة للحدود.
وفي النهاية، فإن المشهد الإقليمي يتجه نحو إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى، حيث ستكون نتائج هذا الاتفاق بمثابة خريطة طريق جديدة تحدد طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى والإقليمية، وتضع حدًا للأطماع التوسعية الإسرائيلية التي طالما هددت السلم والأمن في الشرق الأوسط، ليبقى صمود الشعب والجيش والمقاومة هو الضمانة الحقيقية لتنفيذ بنود الانسحاب الكامل وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية طوال الأشهر الماضية.















0 تعليق