أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان رسمي عن توصل إسرائيل ولبنان إلى اتفاق حاسم يقضي بتنفيذ وقف فوري لإطلاق النار في المنطقة.
ويشترط هذا الاتفاق التاريخي المبرم بجهود دولية مكثفة وقفاً تاماً وشاملاً لكل هجمات حزب الله باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وجاء التحرك الدبلوماسي الأخير لينهي أسابيع من التصعيد العسكري الدامي الذي طال العديد من المدن والقرى في مختلف أنحاء دولة لبنان المنكوبة.
وحسب تقرير لوكالة بي بي سي الإخبارية فإن الاتفاق يفرض شروطاً صارمة تتضمن إجلاء جميع عناصر حزب الله المسلحين من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ويهدف هذا الإجراء الأمني إلى تأمين الحدود الشمالية لإسرائيل وضمان الاستقرار الدائم في جنوب لبنان، وتأتي هذه الخطوة بعد غارات جوية إسرائيلية عنيفة أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل في البلدات الجنوبية، مما هدد بانهيار الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها سابقاً.
واتفق الجانبان اللذان لا تربطهما أي علاقات دبلوماسية رسمية حتى الآن على إنشاء مناطق تجريبية مؤمنة في الجنوب، وستتولى القوات المسلحة التابعة لدولة لبنان السيطرة الحصرية والكاملة على هذه المناطق المستحدثة مع استبعاد تام لجميع الجهات الفاعلة غير الحكومية، وستساعد الولايات المتحدة الأمريكية في توجيه ومراقبة عملية انتشار الجيش اللبناني لضمان تنفيذ البنود الأمنية بدقة ومنع أي خروقات مستقبلية قد تعيد إشعال فتيل الحرب.
وأكدت الدول الراعية للاتفاق مجدداً على أن مستقبل العلاقات السياسية والدبلوماسية بين إسرائيل وجارتها لبنان يجب أن تقرره الحكومتان السياديتان للبلدين فقط، وشددت الأطراف الدولية في بيانها المشترك على رفضها القاطع لأي محاولة من قبل أي دولة إقليمية أو جهة فاعلة غير تابعة للدولة لاحتجاز مستقبل لبنان رهينة للأجندات الخارجية، في إشارة واضحة ومباشرة إلى الدور الإيراني وحليفه الأساسي المتمثل في حزب الله.
وفي غضون ذلك أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الإدارة الأمريكية الجديدة تشاركه تماماً نفس الأهداف الاستراتيجية، وأوضح نتنياهو أن الهدف المشترك هو تجريد حزب الله من ترسانته العسكرية الضخمة وجعل جنوب لبنان منزوع السلاح بالكامل، واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن هذه الخطوات الأمنية الصارمة تعد تمهيداً ضرورياً لتحقيق سلام حقيقي وشامل بين البلدين الجارين وإنهاء عقود طويلة من الصراع المسلح على الحدود.
مفاوضات واشنطن
وعقد دبلوماسيون من إسرائيل والبلد المجاور لبنان جولة ثانية من المحادثات المغلقة في العاصمة الأمريكية واشنطن لبحث تعزيز الاتفاق، وصرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للصحفيين قبيل الإعلان الرسمي بأنه يأمل في التوصل قريباً إلى خطة عمل شاملة ومستدامة لتحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في لبنان بمعزل عن تأثير حزب الله، ويسعى الدبلوماسيون لإنشاء آليات مراقبة دولية تضمن التزام كافة الأطراف بوقف العمليات القتالية.
ويأتي هذا الإعلان الرسمي عقب اتفاق وقف إطلاق نار جزئي تم التوصل إليه بنجاح، ونص ذلك الاتفاق المؤقت على امتناع إسرائيل عن قصف العاصمة بيروت مقابل امتناع حزب الله عن مهاجمة المستوطنات الإسرائيلية، وسيجتمع ممثلو البلدين مجدداً لإجراء مزيد من المحادثات الدبلوماسية بهدف التوصل إلى اتفاق سلام شامل، ولم يصدر حزب الله أي تعليق علني أو موقف رسمي على هذا الإعلان حتى هذه اللحظة.
وكانت الساحة الميدانية في دولة لبنان قد انخرطت في آتون الحرب الدائرة بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى بشكل متسارع، وذلك عندما أطلق حزب الله صواريخ مكثفة باتجاه إسرائيل رداً على غارة جوية استهدفت المرشد الأعلى الإيراني، وردت القوات الإسرائيلية فوراً بحملة جوية مدمرة واسعة النطاق على كافة الأراضي اللبنانية تبعها غزو بري توغلت فيه الدبابات داخل القرى والبلدات في جنوب لبنان.
وفشلت اتفاقية وقف إطلاق النار السابقة التي توسطت فيها واشنطن في وقف القتال العنيف المستعر على الجبهة، وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قواته المسلحة بتكثيف الضربات الجوية والتوغل عميقاً في أراضي لبنان، وجاء هذا القرار الإسرائيلي التصعيدي رداً على الهجمات المستمرة بالطائرات المسيرة والصواريخ الانقضاضية التي شنها الحزب واستهدفت المواقع العسكرية والمستوطنات المدنية في مناطق شمال إسرائيل.
وأسفرت العمليات العسكرية المستمرة عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة عشر شخصاً في لبنان، وحسب تقارير وزارة الصحة اللبنانية فإن الإحصاءات الرسمية الصادرة لا تفرق بين المقاتلين التابعين للحزب والمدنيين الأبرياء، وتسببت الغارات الجوية العنيفة في دمار هائل لحق بالبنية التحتية والمباني السكنية والمرافق العامة في مختلف المدن والقرى وخاصة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
أزمة النازحين
وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون شخص سجلوا أنفسهم كنازحين داخل لبنان، واضطر السكان للفرار من منازلهم بعد أن شملت أوامر الإخلاء والتهديدات الإسرائيلية أكثر من ثمن المساحة الإجمالية للبلاد، وتسببت حركة النزوح الواسعة في أزمة إنسانية خانقة واجهت فيها مراكز الإيواء المؤقتة نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية والغذائية الأساسية ومياه الشرب لآلاف العائلات المشردة.
وفي المقابل أعلنت السلطات الإسرائيلية أن ستة وعشرين جندياً وأربعة مدنيين قتلوا جراء الرشقات الصاروخية عبر الحدود، وشهد يوم الأربعاء تصعيداً ميدانياً كبيراً حيث شنت المقاتلات الإسرائيلية غارات مكثفة استهدفت مناطق متفرقة في جنوب لبنان، وأعلنت وزارة الصحة عن مقتل أربعة مواطنين سوريين واثنين من اللاجئين الفلسطينيين جراء غارة جوية عنيفة استهدفت بشكل مباشر منطقة الحوش الواقعة جنوب مدينة صور الساحلية.
وذكرت الوزارة اللبنانية أن اثنين من المسعفين قتلا وأصيب زميل لهما بجروح خطيرة في غارة أخرى، واستهدفت القوات الإسرائيلية سيارة إسعاف تابعة لجمعية رسالة الكشافة المنتمية لحركة أمل حليفة حزب الله في بلدة شيهور، واتهمت الحكومة في لبنان الجيش الإسرائيلي بالاستهتار التام بالقانون الدولي الإنساني والمعاهدات الدولية التي تحمي العاملين في المجال الطبي والمسعفين في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة.
وأفادت وزارة الصحة بمقتل ما لا يقل عن مائة وثمانية وعشرين مسعفاً وعاملاً في الرعاية الصحية، وسقط هؤلاء الضحايا جراء الهجمات الإسرائيلية المتكررة التي استهدفت سيارات الإسعاف والمرافق الطبية والمستشفيات الميدانية في لبنان، ولم يصدر أي تعليق فوري من الجيش الإسرائيلي الذي ادعى سابقاً في بياناته استخدام تلك المركبات الطبية لأغراض عسكرية من قبل الفصائل المسلحة دون تقديم أدلة واضحة.
وفي سياق متصل أعلن الجيش اللبناني عن مقتل أحد جنوده جراء غارة جوية إسرائيلية غادرة، واستهدفت طائرة مسيرة دراجته النارية على الطريق الواصل بين النبطية وكفار تبنيت الواقعة في عمق جنوب لبنان، وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن جنديين آخرين أصيبا بجروح متفاوتة جراء غارة منفصلة استهدفت مركبتهم العسكرية الرسمية على الطريق بين دير الزهراني والنبطية أثناء أداء واجبهم الوطني.
استهداف الجيش
ونددت قيادة الجيش اللبناني بشدة بما وصفته بنمط متعمد من الغارات الإسرائيلية التي تستهدف العسكريين، وأوضحت القيادة أن الهجمات تطال الأفراد والمركبات والمواقع الدفاعية التابعة للجيش النظامي في مختلف مناطق جنوب لبنان، كما أفادت الأنباء بوقوع غارة جوية استهدفت سيارة مدنية على الطريق الساحلي المزدحم في منطقة خلدة، وتعتبر هذه الضربات الجوية هي الأقرب للعاصمة بيروت منذ إعلان الهدنة الجزئية المؤقتة.
وأعلن الجيش الإسرائيلي من جانبه عن اعتراض طائرة مسيرة معادية وقذائف صاروخية عبرت الحدود، وأوضح البيان الإسرائيلي أن الاعتراضات جرت قرب منطقتي المنارة وكريات شمونة القريبتين من الحدود مع لبنان، وأعلن حزب الله في بيان لاحق أنه استهدف تجمعاً للجنود الإسرائيليين بوابل من الصواريخ رداً على ما وصفه بانتهاكات الاحتلال المستمرة لوقف إطلاق النار وتجاوزه للاتفاقات المبرمة برعاية دولية.
وكان مقاتلو الحزب قد نفذوا في وقت سابق هجمات انتحارية بطائرات مسيرة وصواريخ موجهة، واستهدفت تلك الهجمات المركبات والقوات الإسرائيلية المتوغلة في بلدات العديسة وزوتر الشرقية ويحمر الشقاف في جنوب لبنان، وحذر القادة العسكريون في تل أبيب من أن جيشهم سيستأنف الغارات العنيفة على معاقل الحزب الرئيسية في الضاحية الجنوبية لبيروت إذا استمرت الهجمات الصاروخية عبر الحدود المستهدفة للمستوطنات الشمالية.
وينص اتفاق وقف إطلاق النار الجزئي الذي تم التوصل إليه على التزامات متبادلة ومحددة، وتعهدت إسرائيل بموجبه بعدم شن أي هجوم عسكري واسع النطاق على العاصمة بيروت وضواحيها، وفي المقابل يمتنع حزب الله تماماً عن شن أي هجمات صاروخية أو عمليات عسكرية ضد البلدات الإسرائيلية، وتعمل الأطراف الدولية على تثبيت هذه التفاهمات اللبنانية الإسرائيلية لمنع تفجر الأوضاع الميدانية مجدداً.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن شخصياً عن تفاصيل هذا الاتفاق الدبلوماسي الجديد، وأكد ترامب في تصريحات صحفية أنه تم التوصل للاتفاق بعد مكالمة هاتفية حادة ومتوترة مع نتنياهو، وطالب الرئيس الأمريكي بضرورة وقف العمليات العسكرية الفورية وقصف العاصمة في لبنان، معبراً عن انزعاجه الشديد من الصراع المستمر ومشدداً على وجوب التهدئة الفورية لحماية المصالح الاستراتيجية في المنطقة.
موقف ترامب
ووافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحقاً على التريث مؤقتاً في قصف العاصمة بيروت، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية البرية في جنوب لبنان، وعندما سئل نتنياهو عن المكالمة المتوترة مع ترامب أشار إلى وجود بعض الاختلافات التكتيكية البسيطة، مؤكداً أن الحلفاء يجدون دائماً السبيل المناسب لحل الخلافات وجهود تأمين الحدود الشمالية مستمرة.
ويبدو أن الرئيس الأمريكي ترامب قلق للغاية من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إضافي في أراضي لبنان إلى إحباط مساعيه، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لإبرام اتفاق إقليمي أوسع ينهي حالة الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وكانت طهران قد حذرت واشنطن في وقت سابق من أن أي خطة لوقف إطلاق النار في المنطقة يجب أن تشمل بالضرورة الوضع الميداني والأمني في لبنان.
وفي إطار الصراع الإقليمي الأوسع تثار تساؤلات عديدة حول حجم الضربات الإيرانية الأخيرة، وتكشف صور الأقمار الصناعية تفاصيل دقيقة عن حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة، كما تتابع الدوائر الاستخباراتية الدولية بلقلق الأماكن السرية التي تخفي فيها إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب، ومصير تلك المنشآت النووية الحساسة في ظل التهديدات الإسرائيلية المباشرة بشن ضربات وقائية.
وتتزامن هذه التطورات مع تقارير تكشف قصة القاعدة العسكرية المجهولة في الصحراء العراقية، وتثير هذه التحركات مخاوف حقيقية من تحول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى، ويبقى الاتفاق الأخير المبرم بين إسرائيل ودولة لبنان بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية الدولية على فرض الاستقرار، والحد من نفوذ الفصائل المسلحة التي تهدد سيادة الدول ومستقبل شعوبها في الشرق الأوسط.
وتترقب الأوساط السياسية والشعبية ما ستسفر عنه جولة المحادثات الشاملة المقررة في يونيو الحالي، ويأمل اللبنانيون أن يساهم انتشار الجيش الوطني في الجنوب في استعادة السيادة الكاملة على أراضي لبنان، وإنهاء حقبة طويلة من الحروب بالوكالة التي دمرت واقتصاد البلاد وأنهكت قواها، وتتجه الأنظار الآن نحو مدى التزام حزب الله بتطبيق بنود الاتفاق وإجلاء عناصره من المناطق الحدودية الساخنة
















0 تعليق