على الرغم من الجهود التى تبذلها الدولة فى مواجهة جريمة التحرش إلا أنها ما زالت تهدد الجميع وبالأخص الأطفال فلم تعد واقعة فردية بل باتت مواجهة وحربا شرسة يخوضها الطفل وأهله داخل أرجاء المحاكم بداخلهم فرحة الانتصار بكسر الصمت والمطالبة بأخد الحق من المتحرش الذى ترك ندوب وحفرا عميقة فى قلب صغيرهم.
اهتمام الشريعة الإسلامية بالطفل ونشأته
اهتمَّتِ الشريعة الإسلامية بالطفل الصغير، وعَمِلَتْ على حمايته والمحافظة عليه، بدءًا من اختيار أمه، حيث قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «تَخَيِّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَأَنْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ» رواه ابن ماجه فى «سننه»، والحاكم فى «المستدرك»، من حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنهما، كما اهتمت اهتمامًا شديدًا بتنشئة طفل معافًىً نفسيًّا، فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن بن عليٍ عليه السلام وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمى جالسًا، فقال الأقرع: «إن لى عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا»، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
مدى اهتمام الشريعة الإسلامية بالطفل
قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية السابق، إن الشريعة الإسلامية الغراء اهتمت اهتمامًا كبيرًا بالأطفال ونفسيتهم، وذلك منذ ولادتهم، كما جعلت لهم حقوقًا تعمل على حمايتهم من أى أذى قد يصيبهم، فحرص الشرع على ملاعبته فى الوقت الذى يحتاج فيه إلى الملاعبة، وعلى تأديبه فى الوقت الذى يحتاج فيه إلى تأديب، بشرط أن يكون برفقٍ دون عنفٍ، وشدَّدَ على تعليمه الصلاة، لأنها أساس الاتِّزان النَّفسى والقوَّة الروحيَّة التى سيواجه بها الحياة بعد ذلك، فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن بن عليٍ عليه السلام وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمى جالسًا، فقال الأقرع: «إن لى عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا»، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
وأوضح «علام»، أن التحرُّش الجنسى بالأطفال من أبشع وأقبح الأفعال التى من الممكن أن يقوم بها الإنسان فضلًا عن أنها من كبائر الذنوب عند الله سبحانه وتعالى وبها يهتز عرش الرحمن، فالتحرش يأذى الفطرة السوية للطفل بل والمجتمع، كما أنه ينتهك قيم الإنسانية.
وأضاف أن التحرش ينتهك براءة الطفل ويقتل طفولته، ويجعله يواجه المجتمع مرة أخرى بنظرة غدر وخيانة، لأن الصغير ينظر للجميع وللكبير ببراءة بالغة فهو لا يدرك بعقله أن هناك مثل هذا الانتهاك الصارخ، كما أن الطفل لا يَعِى ولا يَفهَم ما يَقعُ عليه من قبل هذا المتحرش الفاسق.
وأكد علام أن جريمة التحرش ضد الطفل الصغير تأتى ضد الفطرة الإنسانية السوية السليمة، لأن الطبيعة أن البالغ لا يشتهى طفل، وعندما يحدث ذلك يكون من ذوات النفوس المريضة والأهواء الدنيئة فقط.
وأشار إلى أن المتحرش بالأطفال يكون بلا رحمة أو دين، وصدر بشأنه وعيد شديد فى الشرع الشريف، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِىء»، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ».
الدفاع والتدخل عند حدوث جريمة التحرش
أوضح الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن التحرش بجميع صوره وأشكاله أمر محرم شرعًا ويعد من كبائر الذنوب، فضلًا عن كونه مجرّمًا قانونًا، باعتباره اعتداءً على خصوصية الإنسان وكرامته.
وأضاف «كمال»، أن التحرش يكون باللفظ أو الفعل أو الإشارات، مؤكدًا أنه يترك آثار نفسية صعبة وعمية تلاحق الطفل لباقى سنوات حياته، وقد تتغير سلوكياته وأفكاره مما يدق ناقوس الخطر نحو أفراد المجتمع بأكمله.
ونبه على من يشاهد ويحضر هذه الجريمة الشنيعة التدخل بقدر استطاعته، فالاستطاعة عامل أساسى فى التصرف، مؤكدًا أن الدين الإسلامى لا يكلف الإنسان فوق طاقته وما لا يطيق.
وقال إن هناك مجموعة من الطرق والوسائل التى يمكن التدخل بها عند التواجد فى مكان يحدث فيه جريمة التحرش سواء كان بالصغير أو الكبير، منها إظهار الشخص لنفسه فيتراجع المتحرش ويتولد الخوف فى قلبه وينهى ما يقوم به، أو الاستعانة بالمحيطين أو بالجهات المختصة والمعنية بذلك.
القرآن الكريم ذمَّ القوم المتحرش الفاسق البذئ
قال الدكتور مجدى عاشور، مستشار مفتى الجمهورية، إن التحرش إما أن يكون بالألفاظ وإما أن يكون بالأفعال وكلاهما مذموم، لذلك أتى القرآن الكريم وذمَّ أقوامًا لأنهم كانوا يتحرشون ويفعلون أشياء لا يقبلها الذوق ولا العقل ولا النفس المحترمة ولا الدين، فقال الله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)} {الأحزاب}.
وأوضح «عاشور»، أن المرجفون فى المدينة ذكروا مع المنافقين لأنهم كانوا يفعلون أشياء سيئة من قبيل التحرش اللفظى وكذلك التحرش بالأيدى، ولذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى أن الذى يؤذى المؤمن أو المؤمنة أو الطفل الصغير الذى لا حول له ولا قوة ولا يَعِى ما الذى يحدث له من قبل المتحرش الفاسق فإن له عذابًا عظيمًا، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58).
وأكد أن التحرش خاصة بصغير السن من جملة الأفعال البذيئة، فقد ورد فى الحديث النبوى الشريف قول النبى صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالى يُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِىءَ»، والفاحش هنا يقصد به من يتلفظ بالأقوال السيئة والأفعال القبيحة فى مزاحه أو كلامه،والبذىء هو الشخص الذى اعتاد على الشتائم والسب والكلام الذى يخدش الحياء.


















0 تعليق