معركة الليطاني وألاعيب العم سام

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

المواجهة الجارية الآن على الجبهة اللبنانية بين قوات الاحتلال وحزب الله ترتبط بصورة أساسية بطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية التي تسعى الأطراف المختلفة إلى فرضها في مرحلة ما بعد الحرب.

تأسيسا على هذه القاعدة، فإن الحديث عن التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار بين الطرفين برعاية أمريكية لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع بقدر ما يعبر عن انتقاله إلى مستوى أكثر تعقيدا يتعلق بإعادة صياغة معادلة موازين القوة وحدود النفوذ في الجنوب اللبناني.

الوساطة الأمريكية بين بيروت وتل أبيب يمكن اعتبارها محاولة أخيرة لاحتواء الأوضاع قبل انفلاتها تماما من أيدي الأمريكيين، على أن يظل الهدف الحقيقي هو إخضاع لبنان للإرادة الصهيوأمريكية، وتحييد حزب الله ومحاصرته بأيدي اللبنانيين أنفسهم بعد أن عجزت إسرائيل تماما عن نزع سلاحه.

وساطة واشنطن ما هي إلا غطاء تحاول من خلفه الإدارة الأمريكية إدارة الفجوة المتزايدة بين الأهداف التي جرى الإعلان عنها مع بداية الحرب، وبين الوقائع التي فرضها مسار العمليات العسكرية لاحقا. التطورات الميدانية أظهرت أن تحقيق الأهداف المعلنة بصورة كاملة يواجه تحديات متزايدة، ما دفع واشنطن إلى التركيز بصورة أكبر على ترتيبات مرحلية يمكن من خلالها تحقيق جزء من تلك الأهداف بصورة تدريجية، سواء عبر الضغوط السياسية أو من خلال إعادة هندسة البيئة الأمنية في جنوب لبنان.

من هنا تحديدا، تكتسب منطقة جنوب الليطاني أهمية استراتيجية تتجاوز الأبعاد الجغرافية والعسكرية، لتتحول إلى محور رئيسي للصراع حول طبيعة النظام الأمني الذي سيحكم الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى خلق بيئة أمنية تحد من قدرة حزب الله على إعادة الانتشار العسكري في المناطق الحدودية. هذا السيناريو لن يتحقق إلى بإنشاء حزاما أمنيا يمتد من جنوب نهر الليطاني في لبنان مرورا بالقنيطرة وصولا إلى إدلب داخل سوريا.

هذه الترتيبات المزمعة لا تهدف لشيء إلا لإنتاج واقع سياسي وأمني جديد يغير معادلات الردع القائمة منذ عام 2006، حيث يدرك الطرفان أن أي صيغة يتم تثبيتها في هذه المرحلة ستتحول لاحقا إلى قاعدة دائمة لإدارة الصراع مستقبلا.

كل مخططات إسرائيل لا يمكن لها أن تنجح في ضوء التطورات الميدانية التي ترجح كفة حزب الله الذي استطاع إبطال مفعول آلة الحرب الإسرائيلية بمسيرات منخفضة التكلفة وتكتيكات الحروب غير المتماثلة.

ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح في العدة والعتاد، إلا أن أداء مقاتلي حزب الله على أرض المعركة أجبر جيش الاحتلال على إعادة تقييم بعض تكتيكات الحركة والانتشار، ما يؤكد وجود متغيرات ميدانية تحد بشكل كبير من قدرة الصهاينة على المبادرة.

خلال تجربة "الشريط الأمني" الذي أنشأته إسرائيل في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000، لم تنجح تل أبيب في تحويل السيطرة العسكرية إلى سيطرة ميدانية، وانتهى الأمر بانسحاب أحادي الجانب تحت ضغط الاستنزاف المستمر.
في هذا النوع من الصراعات، لا يرتبط الإنجاز الاستراتيجي فقط بتحقيق نصر حاسم، وإنما أيضا بقدرة الطرف الأضعف على استنزاف الخصم ومنعه من تحقيق أهدافه بالسرعة والكفاءة المطلوبة.

هذا المعيار الثابت في تقييم نتائج الحروب يشير بغير مواربة إلى تفوق حزب الله – حتى الآن - في معركته ضد الإسرائيليين، رغم توسع جيش الاحتلال في القتل والقصف والتدمير.

على ضوء ذلك، لا تبدو إدارة ترامب معنية فقط بإدارة مخاطر الحرب، ولكنها باتت مهتمة بإدارة الحرب نفسها، وبشكل مباشر، إما لخوفها من اتساع رقعة المواجهات وتحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها، وإما لعدم ثقة واشنطن في إدارة حكومة نتيناهو اليمينية المتطرفة للمعارك، أو لكلا السببين معا.

المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل داخل البيت الأبيض لا تعكس الحقيقة الثابتة في إدارة الصراعات الدولية، وهي أن النتائج السياسية ترتبط بالوضع الميداني، والسبب الرئيسي إن لم يكن الوحيد في هذا الخلل يتمثل في أن المفاوضات تتم بين إسرائيل والحكومة اللبنانية لا المقاومة اللبنانية. حكومة لبنان لا تتفاوض استنادا للنتائج الحربية على الأرض لأنها لا تخصها ومن ثم فهي أكثر مرونة وقابلية لتقديم تنازلات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق