في وقت يشهد العالم تحولات متسارعة على مستوى التكنولوجيا والأمن الرقمي، فرضت قضايا الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية والتهديدات السيبرانية المتزايدة نفسها بقوة على أجندة الدورة الخامسة من مؤتمر ومعرض أمن المعلومات والأمن السيبراني CAISEC 2026، حيث أجمع المتحدثون والخبراء المشاركون على أن العالم بات أمام مرحلة جديدة لم يعد فيها الأمن السيبراني مجرد وسيلة لحماية البيانات والأنظمة، بل أصبح أحد الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية واستدامة التحول الرقمي.
وشهدت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر حضورًا واسعًا لعدد من المسؤولين والخبراء وممثلي شركات التكنولوجيا العالمية، الذين أكدوا أن تسارع وتيرة التطور الرقمي، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، يخلق فرصًا هائلة للنمو والابتكار، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام موجات أكثر تعقيدًا من التهديدات والهجمات الإلكترونية.
وقال أسامة كمال، رئيس مجلس إدارة شركة «ميركوري كوميونيكيشنز» المنظمة للمؤتمر، إن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا منفصلًا عن باقي القطاعات، بل أصبحت العمود الفقري والبنية الأساسية التي تقوم عليها مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية، موضحًا أن السنوات الأخيرة كشفت حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه الأزمات الدولية في المنظومة الرقمية العالمية.
وأضاف أن التطورات الجيوسياسية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، بداية من الأزمة الروسية الأوكرانية وحتى التحديات الإقليمية الراهنة، أكدت أن الأزمات يمكن أن تتحول إلى فرص للنمو والتطوير وإعادة صياغة الأولويات.
وأكد أن مفهوم السيادة الرقمية للدول العربية والأفريقية أصبح لا يقل أهمية عن السيادة التقليدية على الحدود والأراضي والمجالات الجوية، لافتًا إلى أن حماية البيانات والبنية الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي للدول.
من جانبه، استعرض جلين ويلكنسون، خبير أخلاقيات الاختراق، التطور التاريخي للهجمات السيبرانية عالميًا، موضحًا أن الجرائم الإلكترونية مرت بمراحل متعددة بدأت بمحاولات فردية محدودة قبل أن تتحول إلى عمليات معقدة تديرها شبكات منظمة تستهدف المؤسسات والبنية التحتية الحيوية.
وأشار إلى أن عام 2010 مثل نقطة تحول رئيسية في مسار الهجمات الإلكترونية، بعدما تمكنت جهات مهاجمة من اختراق أنظمة مصرفية وتنفيذ عمليات معقدة بعيدًا عن أنظمة الرصد التقليدية، بينما شهدت السنوات التالية تصاعدًا في هجمات الفدية والابتزاز الرقمي، التي تعتمد على تشفير البيانات أو سرقتها ومطالبة الضحايا بدفع مبالغ مالية لاستعادتها.
وأوضح ويلكنسون أن التوسع السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أدى إلى رفع مستوى تعقيد التهديدات الإلكترونية وتسريع وتيرتها بصورة غير مسبوقة، محذرًا من أن الهجمات لم تعد تستهدف المؤسسات المالية فقط، وإنما امتدت لتشمل شبكات الطاقة والكهرباء والمرافق الحيوية والبنية التحتية للدول.
وأكد أن البريد الإلكتروني لا يزال يمثل أحد أهم أبواب الاختراق التي يستغلها المهاجمون، من خلال رسائل مصممة بعناية تدفع المستخدمين للتفاعل معها، ما يتيح فرصًا للتسلل إلى الشبكات والوصول إلى البيانات الحساسة.
وفي السياق ذاته، كشف محمد أمين، نائب رئيس شركة «دل تكنولوجيز» العالمية، عن مؤشرات تعكس تصاعد حجم التهديدات الإلكترونية في المنطقة، مشيرًا إلى أن مصر تستحوذ على نحو 13% من إجمالي الهجمات السيبرانية التي تشهدها القارة الأفريقية، بمعدل يقارب عشر هجمات يوميًا.
وأشار إلى أن طبيعة الهجمات تغيرت بشكل ملحوظ، إذ لم يعد الهدف الرئيسي للمهاجمين يقتصر على طلب الفدية المالية، بل أصبحوا يسعون إلى السيطرة الكاملة على الأنظمة الرقمية للمؤسسات والاستيلاء على الهويات الرقمية واختراق الأجهزة الحساسة.
وأضاف أن إحدى المؤسسات الكبرى فقدت جميع البيانات المخزنة على نحو 35 ألف جهاز خلال دقائق، نتيجة هجوم داخلي تم التخطيط له على مدى أشهر، وهو ما يبرز خطورة التهديدات الداخلية التي قد تواجه المؤسسات.
كما لفت إلى أن متوسط قيمة الفدية المدفوعة في الهجمات السيبرانية داخل أفريقيا يبلغ نحو 20 مليون دولار للحادثة الواحدة، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى 200 مليون دولار بحلول عام 2030 نتيجة الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات.
من جانبه، أكد إبراهيم سرحان، رئيس مجلس إدارة مجموعة «إي فاينانس» للاستثمارات المالية والرقمية، أن مواجهة التهديدات السيبرانية لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل تتطلب شراكة متكاملة بين الحكومة والقطاع الخاص والمستخدمين ومختلف الأطراف المعنية.
وأوضح أن الأمن السيبراني ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من عملية تصميم الخدمات الرقمية منذ بدايتها، وليس مجرد مرحلة لاحقة تضاف بعد تشغيل الأنظمة.
بدوره، قال محمد المفتي، الرئيس التنفيذي لشركة ICT Misr، إن الدولة المصرية أدركت مبكرًا أن التكنولوجيا أصبحت المحرك الرئيسي لعصر التنمية والتحول الرقمي، مشيرًا إلى أن الأمن السيبراني يمثل ركيزة رئيسية لحماية مكتسبات التحول الرقمي وتعزيز تنافسية مصر على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي السياق نفسه، أكد محمد كامل، المدير العام لشركة «سيسكو» في مصر وليبيا والسودان، أن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني أصبحا وجهين لعملة واحدة، وأن بناء الثقة الرقمية يتطلب تعاونًا واسعًا بين الحكومات وقطاعات الصناعة والمؤسسات الأكاديمية ومجتمع الأمن السيبراني.
أما بشوي وصفي، مدير أمن المعلومات بشركة «سايشيلد»، فأوضح أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل فقط في مواجهة المخاطر الحالية، وإنما في الاستعداد المسبق للتهديدات المستقبلية وبناء قدرات استباقية قادرة على التعامل مع مخاطر لم تظهر بعد.
وتعكس المناقشات التي شهدتها الجلسة الافتتاحية لـ CAISEC 2026 تحوّلًا واضحًا في النظرة إلى الأمن السيبراني، باعتباره قضية استراتيجية ترتبط بحماية الاقتصادات الوطنية وضمان استدامة التحول الرقمي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بناء بيئات رقمية أكثر أمنًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.


















0 تعليق