متابعة ميدانية | الدروس الخصوصية.. عندما انتقلت الأزمة من المدرسة إلى السنتر

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ سنوات طويلة، كان أحد أبرز الانتقادات الموجهة لمنظومة التعليم هو تكدس الطلاب داخل الفصول، حتى أصبح من الصعب على المعلم أداء دوره بالشكل المطلوب، وعلى الطالب الحصول على القدر الكافي من الشرح والمتابعة.

لكن المؤسف أن الأزمة لم تُحل، بل انتقلت من مكان إلى آخر.

ففي الوقت الذي كنا نعتبر ازدحام الفصول مشكلة تستوجب المواجهة، أصبح ازدحام السناتر والدروس الخصوصية أمرًا طبيعيًا، بل وأحيانًا مصدرًا للتباهي، وكأن امتلاء القاعات بمئات الطلاب أصبح دليلًا على جودة التعليم، رغم أن المشكلة في جوهرها ما زالت قائمة.

الأخطر من ذلك أن المدرسة، في نظر الكثير من الأسر والطلاب، تحولت تدريجيًا إلى مجرد مقر للحضور والامتحانات، بينما انتقل الدور التعليمي الحقيقي إلى السناتر. وهذا وضع لا يمكن اعتباره طبيعيًا أو صحيًا لأي منظومة تعليمية تسعى إلى بناء أجيال قادرة على التفكير والإبداع.

فالأصل أن تكون المدرسة هي المؤسسة التعليمية الرئيسية، وأن تكون أي وسائل دعم أخرى مكملة لها عند الحاجة، لا أن تتحول الأدوار ويصبح السنتر هو الأساس والمدرسة مجرد محطة إدارية.

أما الجانب الأكثر قسوة فهو العبء الاقتصادي الذي تتحمله الأسر. فهناك مواد دراسية وصلت تكلفة الحصة الواحدة فيها إلى نحو 400 جنيه، ما يعني أن كثيرًا من الأسر باتت تخصص جزءًا كبيرًا من دخلها الشهري لتغطية نفقات التعليم، في وقت تواجه فيه تحديات معيشية عديدة.

لا أحد ينكر حق المعلم في دخل كريم يتناسب مع قيمة رسالته ومكانته، لكن من غير المقبول أن يصبح الحصول على تعليم جيد مرتبطًا بقدرة الأسرة المالية، أو أن تتحول الدروس الخصوصية من استثناء إلى قاعدة عامة.

إن أزمة الدروس الخصوصية لم تعد قضية تعليمية فقط، بل أصبحت قضية اقتصادية واجتماعية تمس ملايين الأسر المصرية، وتستحق حوارًا جادًا يهدف إلى إعادة المدرسة إلى مكانتها الطبيعية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، والحفاظ على حق الطالب في تعليم جيد داخل مؤسسته التعليمية الأساسية.

فنجاح أي منظومة تعليمية لا يقاس بعدد الطلاب داخل السناتر، وإنما بقدرة المدرسة على أداء دورها الحقيقي في التعليم والتربية وبناء الإنسان.

— علاء طارق سرحان

 

627489947a.jpg
f1a1868284.jpg
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق