الأربعاء 03/يونيو/2026 - 12:22 م 6/3/2026 12:22:54 PM
حين تسقط جدران عمارة مخالفة تحت عجلات اللودر، الكل يسمع صوت الهدم.
لكن قلّ من يجلس بعدها ويحسب: من كسب ومن خسر وكم دفعنا جميعاً ثمن هذه العملية
الدولة تقول: نستعيد هيبة القانون
المواطن يقول: ضاع عمري وشقى السنين
لكن الحقيقة أن ملف الإزالات ليس أبيض وأسود. فيه ربح للدولة على المدى الطويل، وخسارة فادحة على المدى القصير. وفيه خسارة للمواطن اليوم، وربح له غداً إذا صلحت المنظومة.
فدعنا نفتح الدفتر ونحسبها بالورقة والقلم: ما هو ربح مصر من الإزالات؟ وما هي خسارتها؟
أولاً: ربح الدولة والمجتمع من الإزالات
لا يمكن إنكار أن وراء الإزالات هدفاً استراتيجياً، لو نجح سنحصد ثماره بعد 10 سنوات.
1. ربح سيادي: استعادة هيبة الدولة
لأكثر من 30 سنة كان شعار ابني وبعدين نتصالح هو السائد. فصار القانون حبراً على ورق.
حين تهدم الدولة مبنى مخالفاً أمام الكاميرات، هي ترسل رسالة القانون عاد ومن سيبني مخالفاً غداً سيفكر ألف مرة.
هذه الهيبة لا تُقدّر بمال. فالدولة التي لا يحترمها مواطنوها لا يمكن أن تنهض.
2. ربح عمراني: وقف نزيف الرقعة الزراعية
مصر تفقد 40 ألف فدان زراعي كل سنة بسبب البناء العشوائي. هذا يعادل 1.5% من أرضنا الزراعية الثابتة.
3. ربح تخطيطي: منع مدن عشوائية جديدة
العمارات المخالفة تُبنى بلا صرف، بلا طرق، بلا إطفاء، بلا مدارس. فتصبح "قنبلة موقوتة".
4. ربح اقتصادي غير مباشر: تنشيط سوق العقار الرسمي
حين يعرف المستثمر أن البناء المخالف سيُهدم، سيتجه للشراء في المدن الجديدة والكمبوندات المرخصة. هذا يحرك مشروعات الدولة، ويوفر سيولة، ويقلل الطلب على الأرض الزراعية.
ثانياً: خسارة الدولة والمجتمع من الإزالات
لكن المطرقة لا تضرب الطوب فقط. تضرب الاقتصاد والمجتمع أيضاً. والخسارة هنا فورية ومؤلمة.
1. خسارة اقتصادية مباشرة: تبخير تريليونات من الثروة
كل عمارة مخالفة فيها حديد، أسمنت، تشطيبات، أثاث. تكلفة بناء العمارة المتوسطة 10 أدوار تصل 15-20 مليون جنيه.
لو هدمت 1000 عمارة، فنحن نرمي 20 مليار جنيه في القمامة. هذه ثروة قومية تُحول إلى ركام. الحديد يُباع خردة بثمن بخس، والأسمنت يضيع.
مصر لا تملك ترف إهدار هذه الأموال في وقت الأزمة.
2. خسارة اجتماعية: تشريد الأسر وتفكيك النسيج
خلف كل شقة مهدمة أسرة، وأطفال، وذكريات، وقرض من البنك.
حين تطرد أسرة إلى الشارع، أنت لا تهدم طوباً فقط. تهدم استقراراً نفسياً، وتهدم ثقة في الدولة، وتصنع حقداً ينتقل للأبناء.
تكلفة علاج هذا الحقد الاجتماعي بعد 10 سنوات أعلى بكثير من تكلفة تقنين الوضع اليوم.
3. خسارة أمنية: صناعة سوق سوداء جديدة
كلما شددت الإزالات، ارتفع سعر الرشوة، وظهرت عصابات "حماية المباني".
المقاول المخالف سيتحول من بناء علني إلى بناء ليلي. وصار لزاماً على الدولة أن تصرف مليارات على الرقابة والشرطة لمواجهة ما صنعته بيدها.
4. خسارة سياسية: فجوة ثقة بين الدولة والمواطن
المواطن الذي دفع ضرائب ومرافق لبيته ثم هُدم بيته، سيقول: "الدولة شريكة في المخالفة".
هذه الجملة تدمر أي خطاب عن "المواطنة" و"الدولة العادلة". واستعادة الثقة أصعب من بناء ألف عمارة.
ثالثاً: من الرابح الحقيقي؟ ومن الخاسر الأكبر؟
الرابحون المؤقتون:
مافيا الأراضي الجديدة: كلما هُدمت عمارة في الحيز العمراني القديم، ارتفع سعر المتر في المدن الجديدة.
تجار الحديد والأسمنت: الهدم يعني طلباً جديداً على مواد البناء لإعادة الإعمار في مكان آخر.
سماسرة التصالح: ازدهرت مكاتب "تخليص أوراق التصالح" بمبالغ خيالية.
الخاسرون الحقيون:
المواطن البسيط: هو من دفع دم قلبه في بنايته وهو من سينام في الشارع.
الاقتصاد القومي: نخسر ثروة مبنية، ونخسر يداً عاملة، ونخسر استقراراً.
مستقبل المدينة: لأننا نعالج العرض ونترك المرض. المرض هو غياب سكن بسعر رخيص
رابعاً: الميزان.. هل الربح أكبر من الخسارة؟
الإجابة: تعتمد على "كيف تُدار الإزالات".
لو كانت الإزالات انتقامية وعشوائية = الخسارة أكبر 10 مرات من الربح. لأنك تخسر بني آدم، وتخسر فلوس، ولا توقف المخالفة.
لو كانت الإزالات انتقائية وعادلة = الربح سيكون استراتيجياً.
أي: تهدم ما هو في المهد قبل إكتماله، وما على مجرى السيول، وما يشكل خطورة داهمة.
وتقنن ما تم بناءه بالفعل ومطابق للسلامة، لأن هدمه خسارة قومية. وفي نفس الوقت يكون هناك قانون مكتمل صالح للتنفيذ على أرض الواقع وتخصيص مبالغ من إيرادات التصالح لوزارة الزراعة لإستصلاح ضعف ما تم فقده من أراضي زراعية حتى صدور هذا القانون ثم يتم تحديد المساحات الزراعية والمتغيرات بعد صدور هذا القانون الواقعي المكتمل الصالح للتنفيذ وأتمنى أن يصدر قرار جمهوري يتبناه سيادةالرئيس عبد الفتاح السيسي لفض هذا الإشتباك والبت النهائي في هذا الشأن..
فقدهدمت تركيا آلاف المباني بعد زلزال 1999، لكنها في نفس الوقت قنت 80% من المباني المخالفة مقابل رسوم. فكسبت الأمان وكسبت الاقتصاد.
مصر لا تحتمل رفاهية الهدم بلا حساب
يا سادة، مصر ليست دولة غنية لتهدم ثروتها ثم تعيد بنائها.
كل جنيه يُهدر في هدم شقة،أو منزل أو عمارة هو جنيه لم يُنفق على مدرسة أو مستشفى.
الإزالات ضرورة لفرض القانون، لكنها ليست هدفاً في ذاتها. الهدف هو "مدينة منظمة آمنة".
ويمكن الوصول لهذا الهدف بالمطرقة، ويمكن الوصول له بالقانون وروح القانون. إهدم ما يهدد حياة الناس
وقنن ما يحمي سكن الناس وثروتهم.وإدخاراتهم
فإن اخترنا المطرقة وحدها، سنظل ندور في دائرة: نهدم اليوم، ويبني الناس غداً، ونهدم بعد غد.
وإن اخترنا العقل، سنحول ملف الإزالات من "خسارة قومية" إلى "فرصة قومية" لإدخال 15 مليون مواطن إلى شرعية الدولة.
والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا قبل كل لودر
هل نحن نهدم مخالفة، أم نهدم مستقبل
البدائل الأرخص من الهدم
الغرامة التصالحية المضاعفة: ادفع 3 أضعاف سعر المتر، وخذ رخصة بأثر رجعي.وتستثمر لإستصلاح مساحات مضاعفة لما فقدمن أراضي لن تعود صالحة للزراعة بعد الهدم والأمر يتطلب حقاً الآن قانون قابل للتنفيذ وأحوزة عمرانية جديدة تستوعب الزيادة السكانية لكل محافظة ثم بداية جديدة تغلظ بعدها العقوبة على مرتكب المخالفة
ومن ساعده على ذلك بتسهيل البناء.وفي النهاية فإن هذا الإشتباك يحتاج قرار يغلق كل الثغرات ومراعاة ثروة من الممكن إنقاذها وهيبة دولة تفرض وثقة مواطنين لا تهتز

















0 تعليق